الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

شروط الباحث في علم المتشابهات:

هناك شروط ينبغي أن تتوفَّر في الباحث في هذا الشَّأن أجملها لك في:

الأوَّل: أن يكون حافظًا مُتقِنًا للقرآن الكريم:

فلا ينبغي أن يُشـغل باله بهذا الشَّأن أحدُ المبتدئين في الحفظ؛ لأنَّ طعام الكبار سمُّ الصِّغار، ومن تعجَّل شيئًا قبل أوانه عُوقب بحرمانه، والبحث في هذا العلم قبل اشتداد عـود الحافظ قد يضرُّ ولا ينفع، ويفسد ولا يصلح، فربَّما أدَّى انشغال الباحث به إلى الخلط والإلباس وترك المراجعة والمتابعة وإكمال الحفـظ؛ لأنَّ علم المتشابهات له لـذَّة قد تؤثِّر بالسَّلب على الباحثيـن، وقد يمكث الطَّالب في بحث مسألة واحدة وقتًا طويلًا لو استثمره في الحفـظ والمتابعة لحصَّل كمًّا كبيرًا واستفاد من وقته بحفظه لما لم يكـن يحفظ، وهذه خُطوة طيِّبة تخدُم القرآن الكريم وتصبُّ في موازين الحافظ، فليحرص الباحث في هذا الباب ألَّا يدخل في غِماره حتى يقوى عوده ويشتدَّ بناؤه، فإنَّ هذا أدعى للاستفادة من بحثه.

الثَّاني: أن يكون محـافظًا على ورد مراجعته اليوميِّ:

وهـذا أمر خطير ينبغي أن ينتبه له الباحثون في هذا العلم وفي كلِّ العلوم؛ لأنَّ الباحثين قد تأخذهم لذَّة البحث وتستدرجهم إلى هوَّة سحيقة يخسـرون كنوز معارفهم بسببها؛ إذ يتركون مراجعة محفوظاتهم بسب انشغال أوقاتهم بالبحث والتَّنقيب، فيتسبَّب هذا في النِّسيان الذي به يسقط من كان قد ارتقى، ويضعف من كان قـد تقوَّى، وهم بهذا الإهمال قد خسروا رأس مالهم الذي يُتاجرون به ويربحون منه ويُحصِّلون المنزلة السَّامية بفضله، فقد خاب وخسر من حفظ القرآن ثمَّ نسيه؛ لأنَّ النِّسيان إمَّا بسبب تقصير لعرض، أو إصابة بالمـرض، وفي كلا الأمرين تقصير يستوجب العقاب المترتِّب عليه وهو النِّسيان.

وليعلم الباحث الموفَّق أنَّ المتشابهات بشمولها وأنواعها لا تنتهي ولا يأتي عليها الحصر؛ فهي من الإعجـاز القرآنيِّ الذي لا ينقضي، فكلَّما بحثت وجدتَّ، وكلَّما وجدتَّ ازددتَّ إقبالًا، وإقبالك مع ترك المراجعة مزلق خطير مَن وقع فيه لم يرجع له ما سُلب منه، وممَّا عاينته بنفسي ما وقع لصديق لي أخذه الشَّوق إلى البحث والمذاكرة والمدارسة في هذا العلم حتى كان يُمضي وقته كلَّه في استخراج المتشابهات وحصرها، ولم يكن يفرغ لمراجعة حزبه من القرآن الكريم، وكنت كلَّما نصحته بادرني بسؤال في علم المتشابهات ليثبت لي أنَّه سبقني في طريق هذا العلم وأنَّ وقته لم يضع، وكان إذا جلس في مجلس لم يكن له غير الحديث عن المتشابهات القـرآنيَّة، وما كنت أنهاه عـن الاهتمام بهذا العلم الجليل، وإنَّما كان محلُّ النَّهي عن الانغماس في البحث والتَّنقيب عن المتشابهات مـع ترك مراجعة حزبه من القـرآن الكريم، وليس هناك أفضل من التَّوسُّط في كلِّ شيء، لاسيِّما لطالب العلم، ولقد كان هذا الأخ بعد ذلك يُخطِئ في نطق الآيات، ويلحن في إعراب الكلمات، ولمَّا شعر أنَّ القرآن الكريم يُسلب منه عاد للمراجعة والمتابعة، والحمد لله ربِّ العالمين.

ومَثلُ الذي يبحث في المتشابهات مع هجره للمراجعات، كمثل رجل ذي علم يدعوا النَّاس إلى الجنَّة ولا يدخلها، فهو يدعو النَّاس إلى إتقان الحفظ مـن خلال البحث؛ لأنَّه يزيد الحفظ إتقانًا وثباتًا إذا كان على أُسس وأصول، فالحافظ للنَّصِّ الملازم لمراجعته يستفيد كثيرًا من البحث في أغوار هذا العلم، أمَّا ضعيف الحفظ فإنَّه لا يزداد إلَّا ضعفًا؛ لأنَّه سيُؤدِّي إلى اختلاط المواضع، ويكون حجَّة عليه.

واعلم أيُّها القارئ الكريم أنَّ الفضل المذكور في الأحاديث النَّبويَّة يُعنَى به الحافظ للنَّصِّ القرآنيِّ عن ظهر قلب، قال النَّبيُّ ﷺ: «يُقال لصاحب القرآن يوم القيامة اقرأ وارتق ورتِّل كما كنت ترتِّل في الدًّنيا، فإنَّ منزلتك عند آخر آية كنت تقرؤها» [1] وقوله ﷺ: «مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له مع السَّفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه فله أجران» [2] والأجران المعنيان في الحديث هما: أجر القراءة وأجر المجاهدة أي أنَّه يُجاهد نفسه على القراءة رغم ضعفه، وقوله ﷺ: «اقرءوا القرآن فإنَّه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه» [3] وغير هذا من الأحاديث الكثيرة الدَّالَّة على فضيلة حافظ القرآن الكريم، ومعنى هذا أنَّ المهتمَّ حريٌّ به أن يهتمَّ بالحفظ والمراجعة فعليهما مدار الأمر، أمَّا المتشابهات فالاهتمـام بها لابدَّ أن يكون مع الحرص على الإتقان والمراجعات، وبغيرها فلا فضيلة للعارف به.

وخلاصة القول: إنَّ الباحث في علم المتشابهات ينبغي أن يكون من أحرص النَّاس على مراجعة حزبه القرآنيِّ؛ لأنَّ فاقد الشَّيء لا يُعطيه، وكثرة المراجعة تجعل القرآن كالفاتحة، فليتَّق اللهَ كلُّ باحث في العلوم.

الثَّالث: أن يكون للبحث فيه فائدة تعود على الحفظ:

وذلك كتثبيت للمحفوظ، أو معالجة لمواضع مُتداخلة أثناء العرض والإسماع؛ فإنَّ كثيرًا من طلَّاب القرآن الكريم تتداخل عندهم المواضع المتشابهة بسبب الاتِّفاق في اللَّفظ مع كونه حديث عهد بالحفظ، فمثل هؤلاء يكون الاهتمام بعالم المتشابهات من باب المعالجة لتلك الأخطاء الحفظيَّة التي تنتج عن طريق عدم حصر المواضع المتشابهة المتداخلة؛ فإنَّ حصر المواضع ومعرفة اسم السُّورة لكلِّ موضع يُسهم في القضاء على ظاهرة التَّداخل بين المتشابه في الحفظ، ويُؤدِّي إلى ثبات المحفوظ في قلب الحافظ، فإن لم يكن ثمَّت ما يدعو إلى قلق بسب تداخل المواضع فالاشتغال بعلم المتشابهات لهم على سبيل التَّفكُّه والمعرفة.


(1) حسن صحيح: أخرجه أبو داود في سننه، كتاب: (الصَّلاة) باب: (استحباب التَّرتيل في القرآن) برقم: (1464)، والتِّرمذيُّ في جامعه، كتاب: (فضائل القرآن) برقم: (2914) وقال: "حديث حسن صحيح".

(2) متَّفق عليه: أخرجه البخاريُّ في صحيحه، كتاب: (تفسير القرآن) باب: (تفسير سورة عبس) برقم: (4937)، ومسلم في صحيحه، كتاب: (صلاة المسافرين وقصرها) بـاب: (فضل الماهر بالقرآن) بـرقـم: (798).

(3) صحيح: أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب: (صلاة المسافرين) باب: (فضل قراءة القرآن) برقم: (804).

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله