الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

من أسرار الذِّكر الحكيم

السُّؤال الخامس:

ما سرُّ تقسيم الجوع والعريِّ والظَّمأ والضَّحوة في آية سورة طه في قوله تعالى: {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا ‌وَلَا ‌تَعۡرَىٰ * وَأَنَّكَ لَا تَظۡمَؤُاْ فِيهَا وَلَا تَضۡحَىٰ} [طه: 118-119]؟ وما سرُّ كتابة: (تظمؤا)؟

وللجواب أقول:

لم يجمع النَّصُّ بين الجوع والظَّمأ مع قوَّة العلاقة بينهما، وإنَّما فصل بينهما في موضع طه؛ لأنَّ السِّياق وارد في المنِّ على آدم عليه السَّلام بتذكيره بالنِّعم الكثيرة، ففصل بين النِّعم التي يُدمجها النَّاس ويجعلونها كالنِّعمة الواحدة، بهدف التَّكثير والبيان وتصحيح الفهوم التي تدمج النِّعم؛ فالجوع سلب لنعمة الشِّبع، والظَّمأ سلب لنعمة الرِّيِّ من العطش، وهذا البيان لا يظهر إلَّا بالفصل، ففصل بين النِّعم لإظهار عظيم فضله تعالى بكثرة النِّعم.

وفي عطف العريِّ على الجوع والظَّمأ على الضَّحوة ما يُعرف بالتَّقابل العكسيِّ، فلم يجمع بين المتَّفق في النَّوع؛ فالجوع والظَّمأ خاصَّان بالبطن والباطن، والعريُّ والضَّحوة خاصَّان بالجسد والظَّاهر، فأخذ النَّصُّ من كلِّ مجموعة كلمة ليحصل الجمع بين بيان الظَّاهر والباطن في كلِّ آية؛ لبيان أهمِّيَّة الجمع بين الظَّاهر والباطن في الحياة، وللفصل بين النِّعم حتى يُدركها المرء على وجه الإفراد.

وأيضًا تمَّ الفصل بينهما رعاية للفاصلة القرآنيَّة وتناسقها؛ فغالب الآيات في سورة طه تنتهي بألف إمَّا ممدودة، وإمَّا مقصورة، وقد احتفَّت الآية بآيات خُتمت بألف مقصورة؛ فناسب أن يحدث التَّقسيم والتَّرتيب على هذا النَّحو المبيَّن في الآيتين الكريمتين.

وأمَّا رسم كلمة: {تَظۡمَؤُاْ} بصورة الواو المهموزة فمن أجل تأكيد معنى الظَّمأ الحاصل لآدم حين ينزل إلى الأرض، وبيان كثرة وقوع ذلك؛ فزيادة المبنى تدلُّ على زيادة المعنى، وزيادة الواو أعطى معنى التَّكثير والتَّأكيد؛ وإنَّما احتاج الأمر إلى التَّوكيد لأنَّ آدم لم يرَ في الجنَّة الظَّمأ.

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله