الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

نشأة علم المتشابه اللَّفظيِّ وتطوُّره وتدوينه

بدأ علم التَّشابه في أحضان علوم القرآن الكريم لتعلُّقه بالنَّصِّ الشَّريف، ثمَّ اتَّسعت دائرته ليجمع بين علوم القرآن والعلوم البلاغيَّة من خلال التَّوجيه البلاغيِّ للمتشابه، والقول على سبيل الجزم والقطع ببداية محدَّدة لهذا الفنِّ ليس بأمر هيِّن، لعدم وجود أخبار تَقطع به، ولكن على حسب ما اطَّلعت عليه من المراجع أنَّ هذا النَّوع من المتشابه تدرَّج كالتَّالي:

مرحلة التَّشابه الشَّفهيِّ

أوَّلًا: نشأ محدودًا يسيرًا يُتداول بين القرَّاء شفهيًّا يعرضه الأستاذ على الطَّالب أو يُناقشه فيه؛ تيسيرًا لحفظ ألفاظ القرآن المتشابهة، وصيانة لها من الغلط، وكانت بيئته مجالس التَّعليم والإقراء، يذكرها الشُّيوخ والقرَّاء لطلَّابهم وقت العرض والأداء؛ ومازالت هذه الطَّريقة مستعملة في مجالس الشُّيوخ كنوع من أنواع التَّفاعل والمدارسة مع طلَّابهم؛ لردِّ خطأ، أو حصر مسألة، أو ضبط موضع بما يمنع من تَكرار الخطأ فيه، وإنَّما يكون هذا على سبيل المعالجة أو الإثراء على حسب ما يتناسب مع واقع الطَّالب.

مرحلة التَّأليف في التَّشابه

ثانيًا: بدأ فيه التَّأليف الكتابيُّ والتَّسطير على صفحات الكتب بما وضعه بعض القرَّاء لإرشاد الحفَّاظ وإعانتهم على تذكُّر الفروق الفاصلة بين المواضع المتشابهة؛ كسبيل لعلاج تحيُّر الحافظ بينها، أو الانتقال سهوًا من آية إلى آية، ومن سورة إلى أخرى، ومن أقدم ما أُلِّف في هذا الباب كتاب: (مُتشابهات القرآن) للإمام أبي الحسن عليِّ بن حمزة الكسائيِّ (ت:189ه) رحمه الله وقد وضع الكسائيُّ كتابه وجمع فيه جملة من المواضع المتشابهة لفظًا؛ وقال ابن المنادِي (ت:336ه): "ولم يبق إلَّا النَّوع الذي استحدثه فريق من القرَّاء، ولقَّبوه المتشابه، وإنَّما حملهم على وضعهم إيَّاه للقراءة ردًّا من سوء الحفظ، وحداهم كون القرآن ذا قصص، وتقديم وتأخير، كثير تَرداد أنبائه ومواعظه، وتَكرار أخبار من سلف من الأنبياء، والمهلَكين الأشقياء، يأتي بعضه بكلام متساوي الأبنية والمعاني على تفريق ذلك في آي القرآن وسوره، قد يجيء حرف من غير هذا الضَّرب، فيأتي بالواو مرَّة، وبالفاء مرَّة، وآخر يأتي بالإدغام تارة، وبالتِّبيان تارة، وأسماء متماثلة... ثمَّ قال: فاستحبُّوا أن يجمعوا من حروف متشابهة القرآن ما إذا حُفظ منع الغلط"

مرحلة التَّوسُّع في تأليف التَّشابه

ثالثًا: وهناك من توسَّع في هذا النَّوع أسئلةً أو تأليفًا، حتى ذكروا أمورًا لا جدوى ورائها، ودقائق لا طائل تحتها، ممَّا دفع ابن المنادي إلى استنكار ذلك يقول رحمه الله: "ولقد أوغل جماعة ممن شاهدناهم فيه، حتى بلغوا به ألف حرف، ثمَّ صعَّدوا به وصوَّبوا، فأقبلوا يتذاكرون فيما بينهم منه بمحالات، وبما لا يُجدِي، وإن كان غير مُحال نفعًا فكان ممَّن يحذق فيه أبو جعفر محمد بن إسحاق الكوفيُّ المراوحيُّ، وكان ممَّا يُلقيه: كم في القرآن: مَن، ومِن، وما، ولن؟ وكان غيره يُلقي: كم في القرآن حرفان مقترنان على لفظ واحد؟ يريد بذلك قوله: {وَرِضۡوَٰنٞ ‌مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ} [آل عمران: 15] وفيها: {وَٱتَّبَعُواْ ‌رِضۡوَٰنَ ‌ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَظِيمٍ} [آل عمران: 174]"

مرحلة التَّشابه المقسَّم على سور المصحف

رابعًا: وهناك طريقة أخرى استُحدثت في تصنيف الآيات المتشابهات، تعدُّ تطوُّرًا كبيرًا في التَّدرُّج في التَّأليف في هذا الفنِّ، وهي تعتمد على حصر المتشابهات على أساس كلِّ سورة على حسب ترتيب المصحف الشَّريف، وقد أشار إلى ذلك ابنُ المنادي، وجعل النَّصف الثَّاني من كتابه: (متشابه القرآن العظيم) لهذا النَّوع من التَّأليف قال رحمه الله: "نذكر ما في النَّوع السُّوريِّ من تغايير أبنية الكلام والقصص، وترتيبها في التَّقديم والتَّأخير، والإيجاز، والتَّأكيد... ثمَّ قال: "كأنَّ الذي استحدثه أراد أن يُقرِّب بعض الأشكال إلى بعض، فعمد إلى ما في سورة البقرة من حرف له نظير مذكور في سورة أخرى أو سور عدَّة، فأضاف تلك النَّظائر إلى الحرف أو الحروف التي تُشبهها في سورة البقرة، حتى إذا استنظف ما في سورة البقرة من ذكر القصص والحروف المتشابهة ذكر ما في آل عمران وما يليها إلى آخر القرآن بذلك النَّعت" وهكذا بدأت هذه الدِّراسة القرآنيَّة متمثِّلة في تتبُّع الآيات التي تشابهت، وجمع نظائرها كما فعل أئمَّة هذا الشَّأن.

مرحلة التَّشابه التَّوجيهيِّ

خامسًا: تطوَّر التَّصنيف فيه فاتَّجهت همَّة طائفة من العلماء إلى توجيه هذا النَّوع من الآيات، وبيان السَّبب والحكمة من اختصاص كلِّ آية بما جاء فيها مختلِفًا عن الآية المتشابهة، وذلك لـمَّا نشأ أقوام من الزَّنادقة والملحدين جعلوا يطعنون في كتاب الله تعالى، محتجِّين لباطلهم بما في القرآن الكريم من آيات تبدو لهم متعارضة المعنى، وبها تكرار لا فائدة فيه - في نظرهم -، وتشابه في الألفاظ القرآنيَّة يُؤدِّي إلى اشتباه بعضها ببعض، بسبب تقديم أو تأخير، أو في غير ذلك ممَّا ذُكر، من هنا انتقل هذا العلم إلى مرحلة من أجَلِّ مراحله؛ وهي مرحلة توجيه المتشابه اللَّفظيِّ في القرآن الكريم، من خلال بيان أسراره العلميَّة والبلاغيَّة والتَّدليل على ما فيه من إعجاز.

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله