أحكام البسملة
وتعني أنَّ القارئ يبدأ قراءته بالالتصاق باسم الله الرَّحمن الرَّحيم طلبًا للعون والتَّوفيق والسَّداد منه سبحانه، وهي قول القارئ: بسم الله الرَّحمن الرَّحيم في بداية القراءة، وتختلف عن التَّسمية التي تعني الاكتفاء بأوَّل البسملة في مواطنها عند الأكل ودخول الخلاء والوضوء، والبسملة جزء من آية من سورة النَّمل؛ وهي قوله تعالى: {إِنَّهُۥ مِن سُلَيۡمَٰنَ وَإِنَّهُۥ بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ} [النمل: 30]
اختلف العلماء في مسألتين:
المسألة الأولى: هل البسملة آية من الفاتحة؟
والجواب: من المعلوم من استقراء النُّصوص القرآنيَّة والحديثيَّة أنَّ الفاتحة سبع آيات؛ وأمام هذه النُّصوص انقسم القرَّاء إلى قسمين من حيث عدِّ الآيات؛ فعدَّها الكوفيُّون وابن كثير آية؛ ولم يعُدُّوا قوله تعالى: {صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ} [الفاتحة: 6] وأمَّا الباقون فلم يعدُّوها آية؛ وإنَّما عدُّوا قوله تعالى: {صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ} [الفاتحة: 6] آية؛ ليُتمِّموا عدَّ الفاتحة سبع آيات.
المسألة الثَّانية: هل البسملة آية من كلِّ سورة؟
والجواب: فمن قائل: "إنَّها آية" ومن قائل: "إنَّها رُسمت للفصل بين السُّورتين حتى لا يختلطان" ومن قائل: "إنَّها رأس السُّورة وعنوانها" والرَّاجح: أنَّ البسملة ليست آية من كلِّ سورة وإنَّما هي فاصلة بين السُّور؛ لأنَّ الصَّحابة الذين اهتموا بمعرفة كافَّة التَّفاصيل المتعلِّقة بالقرآن الكريم لم يعُدُّوها آية؛ بل أثبتوها دون إدخالها في العدِّ الإجماليِّ لآيات السُّورة؛ وهذا دليل على صوابيَّة القول بأنَّها للفصل بين السُّورتين.
فائدة: اتَّفق العلماء من القرَّاء على أنَّه يجب البدء بالبسملة في أوَّل السُّورة القرآنيَّة عدا سورة براءة= التَّوبة؛ لأنَّ التَّوبة نزلت بحدِّ السَّيف؛ والبسملة فيها نوع أمان؛ ولا تناسب بين السَّيف والأمان؛ كما أنَّ السُّورة بدأت بالتَّبرئة من العذاب، والبسملة تضمَّنت الرَّحمة؛ ولا تناسب بين الرَّحمة والعذاب، وقيل: من أجل الاتِّباع والتَّعبُّد بالامتثال؛ فسورة القتال نزلت بحدِّ السَّيف كذلك وفيها بسملة، وعلِّل بدء القتال بالبسملة لأنَّها سورة النَّبيِّ ﷺ وهو رحيم في جميع أحواله حتى في القتال، ومن العلماء من ألحق البدء بالبسملة في أجزاء سورة براءة بحكمها في أوَّلها، ومنهم من ألحقها ببقيَّة أجزاء السُّور القرآنيَّة من حيث جواز البسملة في أجزائها؛ مُستدلِّين بأنَّ إسقاطها في أوَّلها لا في أجزائها؛ ودليله صريح قول الشَّاطبيِّ:
وَمَهمَا تَصِلهَا أَو بَـدَأتَ بَـــرَاءَةً لَتَنـزِيلِهَا بِالسَّيــفِ لَستَ مُبَسِّمِــلًا
وَلابدَّ مِنهَا فِي ابتِدَاءِكَ سُورَةً سِوَاهَا وَفِي الأَجزَاءَ خَيَّرَ مَن تَلَا
فائدة: يجوز إثبات البسملة، وإسقاطها إذا بدأ القارئ بأجزاء السُّورة= أي ما كان بعد أوَّل السُّورة ولو بآية واحدة؛ غير أنَّ إثباتها للتَّبرُّك أولى من تركها؛ وليس الأمر على إطلاقه؛ بل لها صورتان من خلال النَّظر إلى أوَّل المقروء:
الأولى: أولويَّة التَّرك والإسقاط: وذلك إذا كان الإثبات يُثبت معنى لا يتناسب مع مقصود الشَّارع؛ بأنَّ يكون المعنى غير مراد، أو يُؤدِّي إلى حصول لَبس؛ كأن يقع اسم الشَّيطان، أو ما يتعلَّق بالأوثان، أو النَّار والعذاب في أوَّل المقروء؛ فتسقط البسملة في حالة الوصل والتَّتابع؛ حتى لا يحصل إلباس للسَّامع حين تتوالى الصِّفات الرَّبَّانيَّة في البسملة مع صفات الطَّاغوت التي بدأت بها الآية الكريمة؛ نحو قوله: {ٱلشَّيۡطَٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلۡفَقۡرَ وَيَأۡمُرُكُم بِٱلۡفَحۡشَآءِۖ} [البقرة: 268] فيصل القارئ الاستعاذة بأوَّل المقروء مع إسقاط البسملة.
الثَّانية: أولويَّة الإثبات: وذلك إذا كانت الآية أوَّل المقروء تبدأ باسم من أسماء الله تعالى، أو صفة من صفاته، أو ضمير يعود إليه ويدلُّ عليه، أو اسم من أسماء الأنَّبياء نحو قوله تعالى: {ٱلرَّحۡمَٰنُ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ ٱسۡتَوَىٰ} [طه: 5] فيكون الإثبات أولى على كلِّ أوجه الاستعاذة والبسملة مع أوَّل المقروء.
كما أنَّ البسملة تثبت مع كلِّ موضع جديد من سورة جديدة؛ فهي فاصلة بين السُّور، يُؤتى بها مع الانتقال بين السُّور، سواء كان الانتقال لأوَّل السُّورة أو لأوسطها، وكذلك لو عاد القارئ إلى أوَّل السُّورة أو ما قبل موضع القراءة فإنّه يُبسمل لئلَّا يقع التَّنكيس، وأمَّا إذا انتقل القارئ إلى موضع متقدِّم في السُّورة فلا حاجة إلى البسملة؛ لأنَّها تكون إذا حصل انتقال من سورة إلى سورة أو رجع القارئ إلى الوراء في السُّورة الواحدة.
أوجه الاستعاذة مع البسملة مع ما بعدها
إنَّ النَّاظر إلى ما بعد الاستعاذة يراه على ثلاث صور:
الأولى: وصل الاستعاذة بالبسملة: ولها شكلان:
الأوَّل: في أوَّل السُّور؛ وللاستعاذة مع البسملة مع أوَّل السُّورة المقروءة أربعة أوجه:
1 - الوقف على الجميع: ومعنى الوقف؛ أن يقف القارئ على اللَّفظ ويفصله عن لاحقه، أو يفصله عن سابقه بسبب الوقف على ما قبله مع استئناف القراءة، أو: قطع الصَّوت عن الكلمة زمنًا يسيرًا للتَّنفُّس بنيَّة استئناف القراءة؛ بأن يبدأ القارئ بالاستعاذة ثمَّ يقف عليها لأخذ نفس كامل، ثمَّ يبدأ بالبسملة، ثمَّ يقف عليها ليأخذ نفَسًا كاملًا، ثمَّ يبدأ بأوَّل المقروء.
2 - وصل الجميع: ومعنى الوصل؛ أن يعمد القارئ إلى المقطع القرآنيِّ فيقرأه في نفَس واحد دون الفصل بين أجزاءه؛ فيصل الاستعاذة بالبسملة بأوَّل المقروء ثمَّ يتوقَّف، ويُراعى في ذلك معنى أوَّل المقروء وعلاقته بالبسملة على النَّحو المبيِّن سابقًا، مع رعاية قدرة القارئ على أخذ النَّفَس الكافي الذي يُبلِّغه نهاية جملة أوَّل السُّورة؛ لأنَّ البعض لا يُسعفه النَّفَس فيقف على وسط البسملة أو آخرها، وهذا غير مقبول إذا عزم القارئ على الوصل واختار وجه الاتِّصال؛ لما فيه من معنى سلب قدرة القارئ على اتِّخاذ القرار الأنسب أو التَّنقُّل بين الأوجه الجائزة.
3 - الوقف على الأوَّل، ووصل الثَّاني بالثَّالث: بأن يبدأ القارئ بالاستعاذة ثمَّ يقف عليها لأخذ نفَس كامل، ثمَّ يبدأ بالبسملة دون توقُّف حتى يلحق بها أوَّل المقروء، ووجه هذا الوجه أنَّ القارئ يفصل الاستعاذة غير المرسومة عن البسملة وأوَّل المقروء وهما مرسومان في المصحف، وعليه لا يلزم أن ينظر القارئ في المصحف مع الاستعاذة إذا كان يقرأ منه؛ لعدم وجودها في رسم المصحف، ويحتاج القارئ مع هذا الوجه إلى توازن الأنفاس؛ فلا يُسوِّي بين النَّفسين، ولا يزيد النَّفَس مع الاستعاذة، وإنَّما تكون الزِّيادة مع المقطع الثَّاني لطول المقروء فيه، ففيه البسملة وأوَّل المقروء الذي قد يطول، وعلى القارئ أن يكون مُدركًا لموضع الوقف في أوَّل الآية لاسيَّما إذا كانت الآية طويلة فيها أكثر من جملة، فلا يحسن مع الطُّول أن يصل الجمل بما يُعجزه عن الوفاء أو يُورِّطه في الوقف على أوساط الكلمات أو ما لا يحسن من المعاني النَّاقصة؛ فحكمة القارئ وحسن إدراكه وشدَّة خبرته تنفعه في تحديد الوقف المناسب للنَّفس والمعنى.
4 - وصل الأوَّل بالثَّاني مع الوقف عن الثَّالث: بأنَّ يبدأ القارئ بالاستعاذة دون توقُّف حتى يعطف عليها البسملة ثمَّ يتوقَّف، ثمَّ يبدأ بالمقروء من غير إعادة للاستعاذة والبسملة، ووجه هذا الوجه ربط مفتاح السُّورة ببعضه من خلال الجمع بين الاستعاذة والبسملة في نفَس واحد، ثمَّ الفصل بأوَّل المقروء لاختلاف الموضوع، وعليه يُوصى القارئ بتمام الوقف وأخذ نفَس جديد قبل البدء في أوَّل المقروء؛ لأنَّ البعض يقرأ بما تبقَّى من نَفس الجملة السَّابقة، وهذا يُوقعه في خلل حيث يضيق النَّفَس به في ثنايا القراءة فيُحوجه للوقف الاضطراريِّ على جملة قصيرة كانت تسهُل عليه مع نفَس جديد قويٍّ يتناسب مع المقروء من الآيات.
أوجه آخر السُّورة مع أوَّل السُّورة
وكلُّ هذه الأوجه السَّابقة تجوز بين السُّورتين مع إسقاط الاستعاذة؛ فلا تكون الاستعاذة إلَّا في أوَّل القراءة، أمَّا في وسط القراءة فلا تكون الاستعاذة إلَّا إذا قُطعت القراءة لعارض لا يتعلَّق بالقراءة، وأمَّا في آخر السُّورة فلا تكون الاستعاذة، وأمَّا البسملة فلا تسقط بين السُّورتين، وكذلك لا يجوز الوجه الرَّابع من الأوجه السَّابقة، وهو وصل الأوَّل بالثَّاني وقطع الثَّالث، بأن يبدأ بآخر السُّورة دون أن يتوقَّف ليُلحق البسملة معها، ثمَّ يتوقَّف لأخذ نفس كامل، ثمَّ يبدأ بأوَّل السُّورة؛ ووجه امتناع هذا الوجه أنَّه يجعل البسملة موصولة مع آخر السُّورة ممَّا يُوقع العامَّة في لبس محتمل وهو الظَّنُّ بأنَّ البسملة آية وقعت في آخر السُّورة، وأنَّها مكمِّلة لها؛ وليس الأمر كما ظهر له؛ فلا يجوز وصل آخر السُّورة بالبسملة ثمَّ الوقف والبدء بأوَّل السُّورة التَّالية؛ لأنَّ البسملة لأوائل السُّور وليس لنهايتها؛ فلا يُوقف عليها لئلَّا يُلبَّس على المستمع أنَّ السُّورة خُتمت بالبسملة، وفيه يقول الإمام الشَّاطبيُّ:
وَمَهمَا تَصِلهَا مَع أَوَاخِرِ سُورَةٍ فَلَا تَقِفَنَّ الدَّهــرَ فِيهَا فَتَثقُــلَا
الثَّاني: في أجزاء السُّور؛ وللاستعاذة مع البسملة مع أجزاء السُّورة القرآنيَّة أربعة أوجه:
1 - الوقف على الجميع مع إثبات البسملة: بأن يبدأ القارئ بالاستعاذة ثمَّ يقف عليها لأخذ نفَس كامل، ثمَّ يبدأ بالبسملة ثمَّ يقف عليها ليأخذ نفَسًا كاملًا، ثمَّ يبدأ بأوَّل المقروء من أجزاء السُّور القرآنيَّة، ويتشابه هذا الوجه مع الوجه الأوَّل من أوجه البسملة مع أوَّل السُّورة بجامع أنَّ القارئ يبدأ بكليهما؛ فهذا وجه التَّشابه.
2 - وصل الجميع مع إثبات البسملة: بأنَّ يبدأ القارئ بالاستعاذة دون أن يتوقَّف حتى يُلحق بها البسملة دون أن يتوقَّف حتى يُلحق بهما أوَّل المقروء، وهو بذلك يتشابه مع الوجه الثَّاني من أوجه البسملة مع أوَّل المقروء للتَّشابه بينهما في البدء أيضًا.
3 - الوقف على الأوَّل وقطعه عن الثَّالث مع إسقاط الثَّاني: بأن يبدأ القارئ بالاستعاذة ثمَّ يقف عليها لأخذ نفَس كامل، ثمَّ يُسقط البسملة، ثمَّ يبدأ بأوَّل المقروء، ووجه الإسقاط أنَّ القارئ يبدأ من وسط السُّورة لا من أوَّلها، فكان الإسقاط للتَّفرقة بين الأوَّل والوسط لئلَّا يشتبه هذا على المستمع.
4 - وصل الأوَّل بالثَّالث، مع إسقاط الثَّاني: بأنَّ يبدأ القارئ بالاستعاذة دون أن يقف حتى يُلحق بها أوَّل المقروء؛ وعليه فإنَّه يُسقط البسملة بينهما، وينبغي أن ينتبه للمعنى في أوَّل المقروء، فلا يكون متعلِّقًا بالمعاني الشَّريفة لاتِّصال وصف الشَّيطان الرَّجيم به.
أوجه وصل آخر سورة الأنفال أو ما قبلها بأوَّل سورة التَّوبة
فائدة: وأوجه وصل آخر سورة الأنَّفال أو سورة مُتقدِّمة عليها ترتيبًا بأول براءة= التَّوبة ثلاثة:
1 – الوقف على الجميع: بأن يبدأ القارئ بآخر جملة في سورة الأنَّفال - أو ما تقدَّمها من سور - ثمَّ يتوقَّف لأخذ نفَس كامل، ثمَّ يبدأ بأوَّل سورة التَّوبة؛ وعليه فإنَّه يُسقط البسملة بينهما؛ لأنَّها لم تثبت في أوَّل السُّورة رسمًا ولا رواية عند جميع القرَّاء.
2 - وصل الجميع: بأنَّ يبدأ القارئ بآخر جملة في سورة الأنَّفال - أو ما تقدَّمها من سور - دون أن يتوقَّف حتى يُلحِق بها أوَّل سورة التَّوبة؛ مع مراعاة ما يترتَّب على الوصل من أحكام تجويديَّة؛ وهو الإقلاب، ومعه يُسقط البسملة بينهما أيضًا.
3 - السَّكت على الأوَّل: ومعناه: الوقف على آخر حرف من آخر كلمة في الآية زمنًا يسيرًا بدون تنفُّس= السَّكتة اللَّطيفة أو اليسيرة أو القصيرة، ومقدارها يُضبط بالتَّلقِّي من أفواه الضَّابطين العارفين الحذَّاق من القرَّاء؛ بأن يبدأ القارئ بآخر جملة في سورة الأنَّفال ثمَّ يقف على الميم من لفظ: ﵟإِنَّ ٱللَّهَ بكلِّ شَيۡءٍ عَلِيمُۢﵞ [الأنَّفال: 75] زمنًا يسيرًا بدون تنفُّس، ثمَّ يُلحق بها أوَّل سورة التَّوبة؛ ولا بسملة أيضًا، وفي هذا يقول العلامة الخليجي:
وَبَينَ أَنفَـــــالٍ وَتَـــوبَةٍ بِـــلَا بَسمَلَةٍ لِلكلِّ قِف وَاسكُت صِلَا
وهذه الأوجه السَّابقة بين آخر سورة الأنَّفال وأوَّل سورة التَّوبة تجوز بين كلِّ سورتين مع إثبات البسملة بينهما؛ فلا تسقط البسملة إلَّا بين البراءتين فقط، والتَّنويع بين هذه الأوجه مطلوب من القارئ للتَّدريب عليها جميعًا، ولنقل العلم بالأوجه إلى المستمعين لاسيَّما إذا كان في صلاة أو مجلس عامٍّ يحضره الجماهير، وهكذا في كلِّ حكم ذي أوجه جائزة يكون بينها التَّنويع للتَّعليم ونقل الخبرة.
أوجه وصل آخر سورة التَّوبة بأوَّلها أو وصل متأخِّر
وإذا وصل القارئ آخر سورة متأخِّرة في التَّرتيب المصحفيِّ بأوَّل التَّوبة، أو وصل آخر سورة التَّوبة بأوَّلها فقد فالرَّاجح أنَّه يتعيَّن عليه الوقف؛ ويمنع الوجهان الباقيان؛ قال العلَّامة عبدالفتاح القاضي رحمه الله: "أمَّا إذا كانت هذه السُّورة بعد التَّوبة في التِّلاوة كأن وصلت آخر سورة النُّور بأوَّل التوبة فلم أجد من أئمَّة القراءة من نصَّ على الحكم في هذا، ويظهر لي - والله أعلم - أنَّه يتعيَّن الوقف ويمتنع السَّكت والوصل إذا وصل آخر التَّوبة بأوَّلها" [1] وذهب البعض إلى جواز وجهين، وامتناع الوصل؛ لتجنُّب التَّنكيس ومخالفة ترتيب المصحف.
حالات إثبات البسملة بين السُّورتين
ويتعيَّن الإتيان بالبسملة لجميع القرَّاء بين السُّورتين في حالات:
1 - إذا وصل القارئ آخر سورة متأخِّرة في التَّرتيب بأوَّل متقدِّمة.
2 - إذا وصل القارئ آخر السُّورة بأوَّلها بأنَّ كرَّرها.
3 - إذا وصل القارئ آخر النَّاس بأوَّل الفاتحة.
4 - إذا فصل القارئ بين السُّورتين بالوقف.
السَّكتات اللَّطيفة في القرآن الكريم
فائدة: وقعت السَّكتات اللَّطيفة في القرآن الكريم في أربعة مواضع على ما يُوافق طريق الشَّاطبيَّة، لرواية حفص بن سليمان، لقراءة عاصم بن أبي النُّجود الكوفيِّ رحمهم الله؛ وهذا بيانها:
الأوَّل: السَّكت على الألف المبدلة من التَّنوين في: {عِوَجَاۜ} من قوله تعالى: {وَلَمۡ يَجۡعَل لَّهُۥ عِوَجَاۜ ١ قَيِّمٗا} [الكهف: 1، 2] والحكمة من السَّكت على الألف إيضاح المعنى عن طريق دفع إيهام أن يكون ما لحقه صفة له؛ لأنَّه حال من قوله: "الكتاب" أو مفعول به لفعل مضمر تقديره: (جعله قيمًا)، وأيضًا لعدم الجمع بين المتناقضات؛ فالعوج يُناقضه القيِّم.
الثَّاني: السَّكت على ألف: {مَّرۡقَدِنَاۜۗ} من قوله: {قَالُواْ يَٰوَيۡلَنَا مَنۢ بَعَثَنَا مِن مَّرۡقَدِنَاۜۗ هَٰذَا} [يس: 52] والحكمة من السَّكت على الألف إيضاح المعنى عن طريق دفع إيهام أن يكون ما لحقه من اسم الإشارة صفة له؛ والصَّواب أنَّه مبتدأ؛ فالجملة استئنافيَّة؛ فالمقامان مختلفان؛ فالسَّابق كلام المشركين منكري البعث، واللَّاحق ردُّ الله تعالى عليهم؛ تبكيتًا لهم.
الثَّالث: السَّكت على نون: {مَنۡۜ} من قوله تعالى: {وَقِيلَ مَنۡۜ رَاقٖ} [القيامة: 27] والحكمة من السَّكت الإشارة إلى توقُّف الأنفاس وانقضاء الأعمار، فلم يبق للميِّت شيء في الحياة، فلم تنفعه الرُّقية والعلاج، وكأنَّها إشارة إلى الموت الذي حلَّ ونزل فأسكت الأصوات وقطع الأنفاس حتى تحقَّق خروج الرُّوح.
الرَّابع: السَّكت على لام: {بَلۡۜ} من قوله تعالى: {كَلَّاۖ بَلۡۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ} [المطففين: 14] والحكمة من السَّكت على الموضعين الأخيرين بيان حقيقة الرَّسم عن طريق دفع إيهام أنَّ اللَّفظين لفظ واحد أتى على إحدى صيغ المبالغة على وزن فَعَّال؛ هكذا: (مرَّاق) و: (برَّان) والصَّواب أنَّهما كلمتان، وكذلك لإيصال معنى الرَّان بالسَّكت؛ فالفصل بين الحرفين بالسَّكت على الحرف الأوَّل يُظهر الفصل بين القلب ونور الهداية؛ فقد غطَّى الرَّان القلب بسبب تتابع الذُّنوب حتى غرق القلب في أوحال الخطايا، وحيل بينه وبين شمس الخير؛ فلا يكون للصَّلاح إليها مسلك، ولا للفساد منها مهرب، فجاء السَّكت للإشارة لهذا المعنى.
الهاءات السَّاكنة في حاليها في القرآن الكريم
فائدة: الهاءات التِّسع السَّاكنة سكونًا أصليًّا في القرآن الكريم= هاء السَّكت؛ وهي:
1 - هاء لفظ: {يَتَسَنَّهۡۖ} من قوله تعالى: {فَٱنظُرۡ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمۡ يَتَسَنَّهۡۖ وَٱنظُرۡ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجۡعَلَكَ ءَايَةٗ لِّلنَّاسِۖ} [البقرة: 259] وسبب السُّكون جزم الفعل المضارع لوقوعه بعد حرف الجزم: (لم) فهو فعل مضارع مجزوم؛ وعلامة جزمه السُّكون على آخره إذا كانت الهاء أصليَّة، فإن كانت للسَّكت فعلامة الجزم حذف حرف العلَّة؛ قال أبو محيي الدِّين درويش رحمه الله: "وقوله: {لَمۡ} حرف نفي وقلب وجزم، و: {يَتَسَنَّهۡۖ} فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه السُّكون إذا كانت الهاء أصليَّة، وإذا كانت الهاء للسَّكت كان الفعل مجزومًا بحذف حرف العلَّة، وعندئذ تثبت هاء السَّكت في الوقف لا في الوصل... وإذا كان الفعل من التَّسنُّن الذي هو التَّغيُّر كان مجزومًا بالسُّكون المقدَّر على حرف العلَّة المحذوف الذي أُبدلت النُّون الثَّانية منه وجملة: {لَمۡ يَتَسَنَّهۡۖ} حال" [2]
2 - هاء لفظ: {ٱقۡتَدِهۡۗ} من قوله تعالى: {فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡۗ قُل لَّآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ أَجۡرًاۖ} [الأنَّعام: 90] وهو فعل أمر مبنيٌ على حذف حرف العلَّة؛ لأنَّه أمر مفرد للمخاطب المذكَّر، ثمَّ دخلت عليه هاء السَّكت السَّاكنة.
3، 4 - هاء لفظ: {كِتَٰبِيَهۡ} في موضعيها من قوله تعالى: {يَقُولُ هَآؤُمُ ٱقۡرَءُواْ كِتَٰبِيَهۡ} [الحاقة: 19] وقوله: {فَيَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي لَمۡ أُوتَ كِتَٰبِيَهۡ} [الحاقة: 25] وهي مفعول به منصوب وعلامة نصبة الفتحة المقدَّرة على آخره في الموضعين منع من ظهورها اشتغال المحلِّ بحركة المناسبة، والياء في محلِّ جرِّ مضاف إليه، ودخلت عليهما هاء السَّكت ثمَّ فتحت الياء لإظهار الفتحة وعدم التقاء السَّاكنين الياء والهاء؛ وفيها إشارة إلى فرحة المؤمن وحسرة الكافر فكلُّ شيء يظهر على رءوس الأشهاد.
5، 6 - هاء لفظ: {حِسَابِيَهۡ} في موضعيها من قوله تعالى: {إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَٰقٍ حِسَابِيَهۡ} [الحاقة: 20] وقوله سبحانه: {وَلَمۡ أَدۡرِ مَا حِسَابِيَهۡ} [الحاقة: 26] وهي في الأوَّل مفعول به منصوب وعلامة نصبة الفتحة المقدَّرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحلِّ بحركة المناسبة، والياء في محلِّ جرِّ مضاف إليه، وأمَّا الثَّاني فخبر ما الاستفهاميَّة التي وقعت في موقع المبتدأ.
7 - هاء لفظ: {مَالِيَهۡۜ} من قوله تعالى: {مَآ أَغۡنَىٰ عَنِّي مَالِيَهۡۜ} [الحاقة: 28] وهي فاعل {أَغۡنَىٰ} مؤخَّر مرفوع وعلامة رفعه الضَّمَّة المقدَّرة منع من ظهورها اشتغال المحلِّ بحركة المناسبة، والياء للإضافة للمتكلِّم المفرد، بمعنى المال، والياء في محلِّ جرٍّ بالإضافة، ثمَّ دخلت عليه هاء السَّكت لبيان الحركة التي ثبتت لئلَّا يلتقي حرفان ساكنان، ويجوز في إعرابها أن تكون ما اسم موصول بمعنى الذي وهي فاعل {أَغۡنَىٰ}، واللَّام حرف جرٍّ مبنيٌّ على السُّكون لا محلَّ له من الإعراب، والياء في محلِّ جرِّ به، وهما متعلِّقان بمحذوف صلة الموصول تقديره: "ثبت لي" [3] وفي هائه لحفص وجهان عند الوصل:
أ - الإدغام لعلَّة التَّماثل؛ حيث التقى حرفان متماثلان تماثلًا صغيرًا= أي متَّفقان في المخرج والصِّفة، والأوَّل منهما ساكن، والثَّاني متحرِّك؛ فوجب إدغام الأوَّل (الضَّعيف) في الثَّاني (المتحرِّك) وهذا على أصل قاعدة المثلين، وعليه فلا سكت؛ لأنَّ الإدغام يمنعه.
ب - الإظهار ولا يكون إلَّا على وجه السَّكت على الهاء سكتة لطيفة؛ فمعلوم أنَّ السَّكت يُوجب الإظهار؛ لإزالته للعلَّة الموجِبة للإدغام؛ والحكم يدور مع علَّته وجودًا وعدمًا.
8 - هاء لفظ: {سُلۡطَٰنِيَهۡ} من قوله تعالى: {هَلَكَ عَنِّي سُلۡطَٰنِيَهۡ} [الحاقة: 29] وهي في موقع الفاعل، مرفوع وعلامة رفعه الضَّمَّة المقدَّرة منع من ظهورها اشتغال المحلِّ بحركة المناسبة، والياء للإضافة للمتكلِّم المفرد وهي في محلِّ جرٍّ بالإضافة، ثمَّ دخلت عليه هاء السَّكت لبيان الحركة التي ثبتت لئلَّا يلتقي حرفان ساكنان.
9 - هاء لفظ: {مَا هِيَهۡ} من قوله تعالى: {وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا هِيَهۡ} [القارعة: 10] وتُعرب ما استفهاميَّة وقعت موقع المبتدأ، وهي خبر المبتدأ، والهاء للسَّكت توصل ساكنة وتُفتح الياء، والجملة استفهاميَّة وقع بعدها جوابها.
رأي خاصٌّ:
درج بعض أهل العلم على التَّعبير عن الوقف في الأوجه الجائزة للاستعاذة والبسملة بالقطع؛ فيقولون: "قطع الجميع" وهم يريدون حقيقة الوقف؛ فثمَّت فرق بين الوقف والقطع؛ فالوقف: (قطع الصَّوت عن الكلمة زمنًا يسيرًا للتَّنفُّس بنيَّة استئناف القراءة) وأمَّا القطع فهو: (قطع القراءة رأسًا بنيَّة الانتهاء منها أو الإعراض عنها) ومن باب التَّدقيق وتحرير المصطلحات أُرى أن يُعبَّر عن الحكم بالمصطلح الدَّقيق غير المحتمل لغيره؛ حتى لا نوقع النَّاس في إلباس بسبب التَّهاون المفرط في استخدام المصطلحات بحجَّة أنَّه لا مشاحة في الاصطلاح! فلماذا وضعت المصطلحات إذا كان تركها مقبول بهذه الصُّورة التي تُحدِث إلباسا؟!.
(1) البدور الزَّاهرة في القراءات العشر المتواترة، للشَّيخ عبد الفتاح القاضي، دار الكتاب العربيِّ، بيروت - لبنان، ط: (1/1401ه)، (1/15).
(2) إعراب القرآن وبيانه، لمحيي الدِّين درويش، دار ابن كثير بيروت، ط: (4/1415ه)، (1/395).
(3) المرجع السَّابق، (10/202) قال المؤلِّف: "ويجوز في ماليه أن تكون ما اسم موصول هي فاعل أغنى، واللَّام حرف جرٍّ، والياء في محلِّ جرٍّ، والجارُّ والمجرور متعلِّقان بمحذوف صلة الموصول، أي الذي ثبت واستقرَّ لي، والأوَّل أرجح"