الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

التَّوصيف العلميُّ، والتَّفصيل الحكميُّ

لقد حاولت أن أجد طريقة علميَّة مطَّردة يمكن أن يُعبِّر بها الدَّارس للأحكام عن الحكم التَّجويديِّ؛ فكانت طريقة التَّوصيف العلميِّ، وقد خصَّصته لبيان كيفيَّة الحكم العلميِّ على المثال القرآنيِّ الدَّالِّ على الحكم التَّجويديِّ؛ في محاولة لتدريب المبتدئ على كيفيَّة استخراج الكلمات ذات الأحكام التَّجويديَّة من النَّصِّ القرآنيِّ، مع القدرة على الحكم العلميِّ الصَّحيح، والانتهاء بالتَّطبيق العمليِّ لما قرَّره في التَّوصيف من حكم؛ ليجمع بذلك بين العلم بالحكم، والأداء الصَّحيح، وهذا يجمع بين النَّظريَّة والتَّطبيقيَّة، وقد اشتمل التَّوصيف العلميُّ، والتَّفصيل الحكميُّ على قيود وهذا بيانها:

1 - بيان الحكم العلميِّ الاصطلاحيِّ للمثال عند علماء التَّجويد مع محاولة استقصاء التَّفريعات الَّتي يتفرَّع منها الحكم؛ فأقول: (مدٌّ، فرعيٌّ، لازم، كلميٌّ، مثقَّل).

2 - بيان التَّعليل العلميِّ للحكم التَّجويديِّ السَّابق، مع محاولة استقصاء كلِّ سبب أدَّى إلى التَّوصُّل لهذا الحكم؛ سواء كان السَّبب في الحرف ذاته، أم في المتقدَّم عليه، أم في المتأخِّر عنه، مع توصيف حالة الحرف؛ فأقول: حيث وقع حرف المدِّ (الألفيِّ) وبعده حرف سكن سكونًا أصليًّا في كلمة واحدة؛ فيجب المدُّ الفرعيُّ اللَّازم الكلميُّ المثقَّل بمقدار الإشباع لزومًا.

3 - بيان التَّطبيق العمليِّ للتَّأصيل العلميِّ للحكم التَّجويديِّ؛ ليجمع الدَّارس بين النَّظريَّة والتَّطبيقيَّة؛ فإنَّ المدارس العلميَّة التَّجويديَّة مختلفة في المنهجيَّة الدِّراسيَّة - وسبق بيان ذلك -.

قاعدة مهمَّة في: (التَّوصيف العلميِّ والتَّفصيل الحكميِّ)

اعلم - رعاك الله - أنَّ الأمثلة التَّجويديَّة المتلاقية على قسمين:

القسم الأوَّل: متَّفقة الحكم: بأن يتجاور مَثَلان حكمهما التَّجويديُّ واحد، وله عندئذ في القرآن صورتان:

الأولى: أن يتَّفقا في الحكم مع اختلافهما في الحرف المتسبَّب في الحكم.

الثَّانية: أن يتَّفقا في الحكم وفي سببه.

ويجوز في هذا القسم التَّوصيف العلميِّ بطريقة من طريقتين:

الطَّريقة الأولى: الجمع للنَّظائر؛ بأن يجمع القارئ في التَّوصيف العلميِّ بين أكثر من مثال بشرط الاتِّفاق في الحكم، مع الاتِّصال الحقيقيِّ؛ بألَّا يفصل بينهما كلمة سواء كانت من ذوات الأحكام أم لا، وللجمع عندئذ صيغتان:

الصِّيغة الأولى: صيغة الأمثلة المتَّفقة في الحكم وفي السَّبب؛ مثل: {وَعِنَبٗا وَقَضۡبٗا * وَزَيۡتُونٗا وَنَخۡلٗا * وَحَدَآئِقَ غُلۡبٗا} [عبس: 28، 30] فيُقال في توصيفها: إدغام بغنَّة: حيث وقع التَّنوين المنصوب في جميعها ووقع بعده حرف الواو في جميعها وحرف الواو من حروف الإدغام بغنَّة؛ فيجب الإدغام بغنَّة في جميعها هكذا: ...

الصَّيغة الثَّانية: صيغة الأمثلة المتَّفقة في الحكم المختلفة في السَّبب؛ مثل: {وَفَٰكِهَةٗ وَأَبّٗا * مَّتَٰعٗا} [عبس: 31، 32] فيقال في توصيفها: (إدغام بغنَّة): حيث وقع التَّنوين المنصوب في المثالين ووقع بعده حرف الواو في الأوَّل وحرف الميم في الثَّاني، وهما من حروف الإدغام بغنَّة؛ فيجب الإدغام بغنَّة في المثالين؛ هكذا: ...

الثَّانية: بطريقة الإفراد الحكميِّ؛ بأن يعمد القارئ إلى المثال الواحد فيوصِّفه توصيفًا علميًّا حتى يفرغ منه ثمَّ يبدأ في تاليه وهكذا؛ وإنَّما يحسن ذلك في موضعين:

١ - إذا تجاور المختلفان في الحكم؛ نحو قوله تعالى: {إِنَّكُمۡ ‌رَضِيتُم بِٱلۡقُعُودِ} [التوبة: 83] فقد اجتمع في هذا المقطع القرآنيِّ حكمان؛ الأوَّل: إظهار شفويٌّ، والثَّاني: إخفاء شفويٌّ؛ فيتمُّ توصيف الحكمين كلٌّ على حده.

٢ - إذا تجاور المتَّفقان في الحُكم وفُصِل بينهما بكلمة فيها حكم مختلف؛ نحو قوله تعالى: {إِنَّهُمۡ ‌رِجۡسٞۖ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُ} [التوبة: 95] فقد وقع كلمتان فيهما حكم تجويديٌّ متَّفق، وفُصِل بينهما بكلمة فيها حُكم مختلِفٌ؛ فلم يسغ الجمع بين الحكمين في التَّوصيف؛ وإنَّما يُوصَّف كلُّ حكم على حده.

فائدة: فإن تجاور المتَّفقان في الحكم وفُصِل بينهما بكلمة لا حُكم فيها؛ فلا مانع من الجمع في التَّوصيف؛ نحو قوله تعالى: {يَحۡلِفُونَ لَكُمۡ لِتَرۡضَوۡاْ عَنۡهُمۡۖ} [التوبة: 96] فقد وقع كلمتان فيهما حكم تجويديٌّ متَّفق، وفُصِل بينهما بكلمة لا حُكم فيها؛ فيسوغ الجمع بين الحكمين في التَّوصيف فيُقال: إظهار شفويٌّ في المثالين: حيث وقعت الميم السَّاكنة في المثالين ووقع بعد الأوَّل حرف اللَّام، وبعد الثَّاني حرف الفاء؛ وحرفا اللَّام والفاء من حروف الإظهار الشَّفويِّ؛ فيجب الإظهار الشَّفويُّ هكذا: ...

القسم الثَّاني: مختلفة الحكم: بأن يتجاور مَثَلان - أو أكثر - حكمهما التَّجويديُّ مختلف؛ وهذا القسم يتمُّ توصيفه بالطَّريقة الفرديَّة؛ لاختلاف الحكم في المتجاورين؛ وقد بيَّنت هذا في طريقة الإفراد الحكميِّ.

وبعد: فهذه طريقة في توصيف للأحكام التَّجويديَّة يُراد منها تهذيب إجابة الطَّلبة، وضبط منطوق المادَّة العلميَّة، وقد يكون يرتضيه بعض الكرام دون اتِّفاق كلمة المجوِّدين عليه، فمن رآه مقبولًا فلينتفع به، ومن لم يره فلا عليه، فقد اجتهدتُّ فيه فعرَّضته وما فرضته، والله يتولَّى نشر الخير وإصلاح النِّيَّة.

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله