الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

موقف الإسلام من الهجرة والانتقال

إنَّ الإسلام لا يُمانع من الهجرة والانتقال من أرض إلى أرض أخرى، لكن يلفت نظر الناس إلى ضرورة المحافظة على النفس من التلف عن طريق اعتماد الطرق السليمة التي لا توصِّل إلى مفسدة متحقَّقة أو متوهَّمة، من خلال الهجرة الشرعية التي يقوم فيها المرء بتجهيز أوراقه، واستيفاء المتطلبات الكاملة لاستخراج تأشيرة الدولة المرادة، مع بذل المال المقرر لحجز مقعد السفر عبر الوسيلة النقلية المختارة، بهذا يسود الأمن والأمان، ويتحقق للمرء رغبته في الهجرة والسفر للتكسب، أو السياحة في الأرض، أو الدراسة والتعلُّم، والمعروف عرفا كالمشروط شرطا، فلا ينبغي أن يُقبل الشباب على الطرق الملتوية، والسبل المعوجة، زاهدين في الطرق الصحيحة، والمسالك الواضحة؛ فإن اتباع الخطوات المحددة من قبل الدول والحكومات في هذا الشأن مما يحفظ على المرء حياته، ويضمن تحقق سيادات الدول على أراضيها، ويحفظ حقوقها المالية من خلال الوفاء بالرسوم المقررة التي تفرضها كل دولة على الراغبين في الإقامة على أرضها، فيكون في هذا حفظ النفس، والمال، والدين؛ لأن الهجرة غير الشرعية في مخادعة وتهرب من أداء حقوق، وهذا مما يُؤثر على دين الناس، فكانت الهجرة الشرعية هي الأسلم للدين والدنيا.

وجاء في موسوعة الفتاوى الصادرة عن دار الإفتاء المصرية: "وهذه الأسباب قد تجتمع كلها في صورة واحدة، وقد يتخلف بعضها في بعض الصور، لكن لا تخلو صورة من صور الهجرة غير الشرعية عن مفسدة منها، وتحقق آحادها في صورة كاف للقول بالمنع والتحريم، وعليه: فإن الهجرة غير الشرعية على الوجه الذي يحصل في بلادنا الآن لا يجوز فعلها أو الإقدام عليها شرعا، وللحاكم أن يسن من التشريعات ما يراه محققا لمصالح العباد؛ فإن تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة، والواجب له على الرعية الطاعة والنصرة، ومن أراد أن يُهاجر من بلد إلى آخر فعليه الالتزام بالقوانين المتفق عليها بين الدول في هذا الشأن والتي أمر الحاكم بالالتزام بها ونهى عن مخالفتها، ومن ثم تجب طاعته على الفور ولا تجوز الهجرة خارج هذا الإطار الـمنظم لها" [1]

الأخذ بأسباب السَّلامة في الهجرة

إنَّ المتأمِّل في قصَّة هجرة النَّبيِّ ﷺ من مكَّة إلى المدينة يُدرك خطأ ما وقع فيه معاشر الشباب الذين يسلكون في الهجرة مسلكا غير شرعي يحمل المخاطر والمهالك في طياته، فقد سعى النَّبيُّ ﷺ إلى تأمين طريق الهجرة عن طريق جملة من الخطوات يجمل أن نذكرها هنا، وهي:

1 - اتخاذ الدليل الذي يقودهم في الصحراء: وهذا يمثل عامل الخبرة الذي اعتمد عليه النبي ﷺ حين طلب من عبدالله بن أريقط أن يكون دليلهم في رحلة الهجرة لئلا تختلط عليهم الطرق.

2 - اعتماد طريقة تشتيت العدو عن طريق إزالة الآثار: وهذا ما اعتمده النبي ﷺ في رحلة الهجرة حيث كان عامر بن فهيرة يقود أغنامه في الطريق الذي سار فيه النبي ﷺ وصاحبه حتى تزول آثارهما بأثرها فلا يصل إليهما أحد عن طريق تتبع الأثر.  

3 - مغايرة الطريق المشهورة الموصلة إلى المدينة لتحقيق أعلى نسبة من الأمان: فقد انطلق النبي ﷺ وصاحبه في رحلة الهجرة من غير الطريق القصير الذي ألفه العرب؛ حيث اختار الطريق المعاكس الطويل لإزالة احتمالية تتبع المشركين لهم؛ حيث يغلب على الظن أن المرء في مثل هذه المطاردات يسلك الطريق الأشهر الأخصر؛ للهروب من المطارد في أقل مدة وبأيسر مجهود، لكنه  اتبع الطريق الأطول لعدم وروده على أذهان المشاركين لعدم اعتيادهم السير فيه، وفي هذا ما يؤكد على أهمية الاحتياط والأخذ بأسباب النجاة، والبعد عن مواطن الهلاك.

4 - الاختباء في الغار حتى يسلم من عيون المتابعين له من الكفار بعد أن رُصدت الجوائز الضخمة لمن يُلقي القبض على النبي  وصاحبه: فكانت وسيلة الاختباء مشتتة للعدو المتتبع للآثار والأنفاس؛ حتى تهدأ العيون، وتظن عدم إدراك المطلوبين، وبهذا يتحقق انصراف المشركين عن ملاحقة النبي ﷺ وصاحبه، وهو ما حصل بالفعل، ولما وصلوا للغار الذي يضم النبي  وصاحبه وكادوا يظفروا بهم، أدركهم لطف الله تعالى فصرف المشركين من على باب الغار!.  

5 - التنسيق الكامل مع الأنصار من أهل المدينة لاستقباله ليكون دخوله المدينة دخولا رسميا: فإن الهجرة هروب بالدين من بيئة يكره أهلها الدعوة فلا يستجيبون للداعية، ولا يُناصرون أتباعها، بل يسومونهم سوء العذاب، إلى بيئة يحب أهلها الدعوة، ويؤمنون بالداعية، وينصرون أتباعها، ويحرصون على نشر مضمون الدعوة ورفع رايتها، فكان انتظار الأنصار للنبي ﷺ وصاحبه على مشارف المدينة خير دليل على صدق العهد، والوفاء بالوعد.

6 - تحقُّق أسباب الهجرة بعد أن سعى المشركون لقتل النَّبيِّ ﷺ وأصبح من الصعب إقامة الدين ونشر الشريعة في المجتمع المكي: فكانت الهجرة إلى المدينة النبوية أنسب حل وأفضل وسيلة لنشر دعوة الإسلام، ولو أن أهل مكة قبلوا نور الإسلام وضياء الإيمان لما احتاج النَّبيُّ ﷺ إلى الهجرة؛ فالهجرة فرار من بلد سلط أهلها كل طاقتها لإطفاء نور السماء، في مقابل المدينة التي فتحت أبواب حدودها وقلوب أهلها للنَّبيِّ ﷺ ودعوته ومن معه من المهاجرين؛ قال النَّبيُّ ﷺ: «والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت» [2]

7 - التميز الكبير في فقه التفاوض والنقاش حين وصل إليه  بعض المتتبعين كسراقة بن مالك: فقد استطاع النبي  بحكمته البالغة أن يضمَّ سُراقة بن مالك إلى معسكره بعد ما خرج من موقعه قاصدا القبض على النبي  وصاحبه لينال الجائزة الكبرى التي رصدها فُجار قريش لمن يأتيهم بالنَّبيِّ ﷺ حيًّا أو ميِّتًا، فاستجاب سراقة بن مالك لدعوة النَّبيِّ ﷺ وما عرضه من الرجوع وله سواري كسرى بن هرمز، بعد أن رأى سراقة من الآيات الدالة على أن الله تعالى يمنع نبيه  من أن يطاله أحد بسوء، فما كان منه إلا أن استجاب وعاد دون أن يُخبر أحدا بما رآه.

كل هذه الخطوات المباركة كان لها الأثر الكبير على نجاح خطة الهجرة النَّبويَّة، حتى أُقيمت دولة الإسلام في المدينة حتى اشتد عودها، فعاد النبي ﷺ ومن معه من المسلمين إلى مكة منتصرين أعزة بعد أن فتحها الله تعالى عليهم، فنجحت الهجرة وتحققت ثمراتها، بهذا الإحكام، والتنظيم.

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله