الوفاء في أعلى مقاماته:
ومن أنبل ما وقع في غزوة بدر ما كان من وفاء النَّبيِّ ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم في مشهد يُجسِّد الوفاء الأعظم؛ فعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: "ما منعني أن أشهد بدرًا إلَّا أنِّي خرجت أنا وأبي حُسيل، فأخذنا كفار قريش فقالوا: إنَّكم تُريدون محمَّدًا؟ قلنا: "ما نريد إلَّا المدينة" فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفنَّ إلى المدينة ولا نقاتل معه، فأتينا رسول الله ﷺ فأخبرناه الخبر فقال: انصرفا، نفي بعهدهم ونستعين الله عليهم" [1]
وفي هذا المعنى ما وقع من نهيه عن قتل المكرهين على الخروج للقتال من أهل مكَّة؛ فعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لأصحابه رضي الله عنه يومئذ: «إنِّي قد عرفت أنَّ رجالًا من بني هاشم وغيرهم قد أُخرجوا كُرهًا، لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقي منكم أحدًا من بني هاشم فلا يقتله، ومن لقي أبا البختريَّ بن هشام بن الحارث ابن أسد فلا يقتله، ومن لقي العبَّاس بن عبد المطَّلب - عمَّ رسول الله - فلا يقتله، فإنَّه إنَّما أُخرج مستكرهًا» فقال أبو حذيفة: "أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخوتنا وعشيرتنا ونترك العبَّاس! والله لئن لقيته لأُلحمنَّه السَّيف" فبلغت رسول الله ﷺ، فقال لعمر بن الخطَّاب رضي الله عنه: "يا أبا حفص - قال عمر: والله إنَّه لأوَّل يوم كناني فيه رسول الله ﷺ بأبي حفص -: «أيُضرب وجه عمِّ رسول الله ﷺ بالسَّيف؟» فقال عمر رضي الله عنه: "يا رسول الله، دعني فلأضرب عنقه بالسَّيف، فو الله لقد نافق" فكان أبو حذيفة رضي الله عنه يقول: "ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذ، ولا أزال منها خائفًا، إلَّا أن تُكفِّرها عنِّي الشَّهادة" فقتل يوم اليمامة شهيدًا" [2]
ومن عظيم ما وقع للمسلمين في هذه المعركة أن نزلت ملائكة السَّماء للقتال في صفوفهم كأثر من آثار التَّضرُّع والاستغاثة التي كان عليها النَّبيُّ ﷺ والصَّحابة رضي الله عنهم كما ذكر القرآن الكريم: {إِذۡ تَسۡتَغِيثُونَ رَبَّكُمۡ فَٱسۡتَجَابَ لَكُمۡ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلۡفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُرۡدِفِينَ} [الأنفال: 9] وأمر الله ملائكته بقوله تعالى: {إِذۡ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمۡ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ سَأُلۡقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعۡبَ فَٱضۡرِبُواْ فَوۡقَ ٱلۡأَعۡنَاقِ وَٱضۡرِبُواْ مِنۡهُمۡ كُلَّ بَنَانٖ} [الأنفال: 12] فكان المدد من الله أعدادًا من الملائكة، وليس مَلَكاً واحداً مع كفايته في تقديم الدَّعم، ولكنَّه فضل الله تعالى الذي جعلة بشارة للمسلمين: {وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشۡرَىٰ وَلِتَطۡمَئِنَّ بِهِۦ قُلُوبُكُمۡۚ وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 10] ولن يُهزم جيش تُقاتل في الملائكة.
ولم يَتوقّف دور النَّبيِّ ﷺ على التَّخطيط والمتابعة والتَّوجيه والتَّشجيع والدُّعاء مع عظيم ما قام به، بل قاتل مع أصحابه رضي الله عنهم قتالًا عظيمًا، فقد كان يُهاجم العدوَّ ويقول: {سَيُهۡزَمُ ٱلۡجَمۡعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ ٤٥ بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوۡعِدُهُمۡ وَٱلسَّاعَةُ أَدۡهَىٰ وَأَمَرُّ} [القمر: 45-46] وأخذ حفنة من التُّراب، وألقاها على المشركين، فلم يَسلَم أحد من تلك الحفنة إلَّا وقد أصابت عينه وفمه، وأنزل الله تعالى قوله: {فَلَمۡ تَقۡتُلُوهُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمۡۚ وَمَا رَمَيۡتَ إِذۡ رَمَيۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ وَلِيُبۡلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡهُ بَلَآءً حَسَنًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيم} [الأنفال: 17] فدبَّ الخوف في قلوب المشركين ونزلت بهم الهزيمة الفادحة فهم بين قتيل وفارٍّ وأسير، وانتصر المسلمون نصرًا عزيزًا بنصر الله تعالى لتلك الفئة المستضعفة؛ {إِذۡ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمۡ أَن تَفۡشَلَا وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَاۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١٢٢ وَلَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدۡرٖ وَأَنتُمۡ أَذِلَّةٞۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ} [آل عمران: 122-123]
التَّضرُّع والمناجاة قبل المعركة:
ومن دروس هذه الغزوة المباركة كثرة مناجاة النَّبيِّ ﷺ لربِّه بأن يُنجز له وعده الذي وعده، وأن ينصره على عدوِّه؛ قال تعالى: {إِذۡ تَسۡتَغِيثُونَ رَبَّكُمۡ فَٱسۡتَجَابَ لَكُمۡ} [الأنفال: 9] وعن عليٍّ رضي الله عنه قال: "لقد رأيتنا ليلة بدر وما منَّا إنسان إلَّا نائم إلَّا رسول الله ﷺ فإنَّه كان يُصلِّي إلى شجرة ويدعو حتى أصبح، وما كان منَّا فارس يوم بدر غير المقداد بن الأسود" [3] وقال ابن القيِّم: "لـمَّا طلع المشركون، وتراءى الجمعان قال رسول الله ﷺ: «اللَّهمَّ هذه قريش جاءت بخيلائها وفخرها، جاءت تحادُّك، وتكذِّب رسولك» وقام، ورفع يديه، واستنصر ربَّه، وقال ﷺ: «اللَّهمَّ أنجز لي ما وعدتني، اللَّهمَّ إنِّي أُنشدك عهدك ووعدك» فالتزمه الصِّدِّيق رضي الله عنه من ورائه، وقال: "يا رسول الله! أبشر فوالذي نفسي بيده، لينجزنَّ الله لك ما وعدك" [4]
إجابة الله تعالى دعوة نبيِّه:
فقد دعا النَّبيِّ ﷺ على جملة من المشركين بالاسم فقتلوا في المعركة وفي الموقع الذي حدَّده؛ فعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: "استقبل النَّبيُّ ﷺ الكعبة، فدعا على نفر من قريش: على شيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأبي جهل بن هشام؛ فأشهد بالله، لقد رأيتهم صرعى، قد غيَّرتهم الشَّمس، وكان يومًا حارًّا" [5]
(1) صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة في مصنَّفه، كتاب: (السِّير) باب: (ما قالوا في العهد يوفَّى به للمشركين) برقم: (32856)، وهو في مسند أحمد، مسند: (الأنصار) حديث: (حذيفة اليمان) برقم: (23354) وصحَّحه الشَّيخ شعيب الأرنؤوط وقال: "حديث صحيح، وهذا إسناد قويٌّ على شرط مسلم".
(2) أخرجه البيهقيُّ في دلائل النُّبوَّة، في كتاب: (جماع أبواب غزوة بدر العظمى) باب: (ما فعل رسول الله ﷺ في الغنائم والأسرى)، والحاكم في مستدركه، كتاب: (معرفة الصَّحابة) في: (ذكر مناقب أبي حذيفة) برقم: (4988) وقال: "صحيح على شرط مسلم، ولم يخرِّجاه" وخالفه الذَّهبيُّ وضعَّفه "فمعبد عن ابن عباس مجهول" المغني في الضُّعفاء، للذَّهبيِّ، (2/668).
(3) حسن: أخرجه النَّسائيُّ في سننه الكبرى، كتاب: (المساجد) باب: (الصَّلاة إلى الشَّجرة) برقم: (825)، وحسَّنه ابن حجر العسقلانيُّ في الفتح: (1/ 580).
(4) زاد المعاد في هدي خير العباد، لابن القيِّم، (3/ 157).
(5) صحيح: أخرجه البخاريُّ في صحيحه، كتاب: (المغازي) باب: (دعاء النَّبيِّ ﷺ على كفَّار قريش) برقم: (3960).