جهود قسيم الدَّولة في إعداد جيل النَّصر
اعتنى قسيم الدَّولة آقسَنقَر الحاجب [1] بكلِّ الجوانب التي فقدتها الولاية على الصَّعيد الأمنيِّ والاقتصاديِّ؛ فبذل جهده في استرداد الأمن بالضَّرب بيد من حديد على يد اللُّصوص وقطَّاع الطُّرق وأقام الحدود الشَّرعيَّة، وأصلح الشُّرطة التي كانت ترعى الفساد وتحميه بالشِّدَّة التي طالت كلَّ فاسد مفسد، فأصبحت الشُّرطة عونًا له على استتباب الأمن واسترداد الأمان، وأحدث المسئوليَّة الجماعيَّة بأن جعل أهل كلِّ قرية يحملون المسئوليَّة مع الدَّولة بحفظ النِّظام بها والدِّفاع عن القوافل المارَّة بها أو النَّازلة فيها، ويكون أهل القرية جميعًا مسئولين عن حفظها وسلامتها، وعليهم تعويض من اعتُدي عليه في نطاق قريتهم [2] ؛ فتحمَّل الجميع المسئوليَّة، واختفت مظاهر الجريمة، واستتبَّ الأمن، وازدهرت الإمارة تجاريًّا وزراعيًّا واقتصاديًّا؛ لأنَّ الحياة تزدهر وتتحسَّن مع استتباب الأمن والأمان، والشُّعور بالاطمئنان، وقد تحقَّق هذا بفضل تطبيق آقسَنقَر للحدود الشَّرعيَّة التي أحدثت ردعًا لكلِّ من تسوِّل له نفسه الخروج عن النِّظام العرفيِّ والمجتمعيِّ، وقد كان صارمًا جدًّا في أمر الحدوج لا يقبل شفاعة ولا تنازلًا؛ لأنَّ المعالجة لا تقبل التَّراخي والضَّعف والشَّفقة، فلمَّا علم النَّاس ذلك ارتدع كلُّ مجرم عن كلِّ جريمة فيه حدٌّ، واستقامت أمور الإمارة لدرجة أنَّ قسيم الدَّولة أمر فنودي ألَّا يحمل أحد متاعه من الطِّريق فإن سُرق فهو ضامن له؛ لقوَّة ما وقع في الإمارة من معنى الأمن والأمان؛ يقول عنه المؤرِّخ ابن القلانسيِّ: "وأحسنَ فيهم السِّيرة، وبسط العدل في أهليها، وحمى السَّابلة (الطَّريق المسلوك) للمتردِّدين فيها، وأقام الهيبة، وأنصف الرَّعيَّة، وتتبَّع المفسدين فأبادهم، وقصد أهل الشَّرِّ فأبعدهم، وحصل له بذلك من الصِّيت، وحُسن الذِّكر، وتضاعُف الثَّناء والشُّكر، فعمُرت السَّابلة للمتردِّدين من السُّفَّار، وزاد ارتفاع البلد بالواردين بالبضائع من جميع الجهات والأقطار" [3]
رحيل قسيم الدَّولة وميلاد الأتابك زنكيِّ وبعد حياة حافلة بالإنجازات والبذل والعطاء والتَّضحية قُتل آقسَنقَر الحاجب بعد أن أسره تُتُش بن ألب أرسلان في هجوم له على مدينة حلب، وكانت له أطماع انفصاليَّة عن الدَّولة السَّلجوقيَّة، ووقعت بينه وبين آقسنقر مواقف أوغرت صدره منه [4] ، فحرص على الانتقام الذي جاء في صورة شنِّ هجوم على حلب وأَسر آقسَنقَر ثمَّ قتله، وكان ذلك سنة: (094م=487ه) وكان ولده عماد الدِّين زنكيِّ في سنِّ العاشرة من عمره، وقد ربَّاه أبوه على حبِّ الشَّريعة، والتَّمسُّك بالإسلام، والخوف من الله تعالى، والقيام بالواجب والمسئوليَّة، والثَّورة على المفسدين، وعدم الخنوع والذِّلة؛ وكان لهذا الإعداد أكبر الأثر في صناعة الرَّجل الثَّالث من رجال جيل التَّمكين والذي سيُصبح شخصيَّة محوريَّة في قضيَّة بيت المقدس.
(1) يُعدُّ قسيم الدَّولة آقسُنقُر الحاجب والي حلب في الدَّولة السَّلجوقيَّة العظمى الرَّجل الثَّاني في جيل التَّمكين؛ وقد قام بجهود إصلاحيَّة كبيرة تكمِّل ما قام به نظام الملك الطُّوسيُّ؛ حيث عمل على تطهير المجتمع من الفساد والمفسدين، ويتمثَّل ذلك في إصلاح الشُّرطة، وملاحقة اللُّصوص والمجرمين، وإقامة الحدود الشَّرعيَّة وفق الشَّريعة الإسلاميَّة، ونشر العدل والرَّحمة بين الرَّعيَّة، وتحقيق الأمن والأمان حتى أمن النَّاس على أنفسهم وأموالهم، مع محاربته للفساد المتمثِّل في شخصيَّة تتش بن ألب أرسلان، والذي كان يحلم بالتَّوسُّع والانفصال مع فساده وعدم صلاحيَّته، فاتَّخذ معه آقسُنقُر جملة من المواقف الرَّداعة له، والتي تسبَّبت فيما بعد ذلك بانتقامه بقتل آقسُنقُر، وهذه المرحلة الإصلاحيَّة في غاية الأهمِّـيَّة؛ فإنَّ صلاح الفرد بالعلم والعبادة لا يكفي لصلاح المجتمع؛ فقد يكون صالحًا لكنَّه لا يكون مصلحًا، وتطهير المجتمع من مظاهر الانحراف ما أمكن من أسرع وسائل الإصلاح أثرًا وتأثيرًا، وهذا ما تحقَّق بعد جهود آقسُنقُر الحاجب، وقد ظهرت آثاره في ولده عماد الدِّين زنكيِّ، وحفيده نور الدِّين محمود، فليعِ الدرسَ كلُّ مصلح يُريد نُصرة قضيَّة بيت المقدس، من خلال السَّعي لاستثمار المنصب والموقع في تقرير الصَّلاح وتوجيه النَّاس إليه، مع القضاء على الفساد والمحسوبيَّة والوساطة والمجاملة، ووأد جميع مظاهر الفساد الماليِّ، والإداريِّ، والتَّشريعيِّ، والقضائيِّ، والأمنيِّ، والعسكريِّ، والاجتماعيِّ، والاقتصاديِّ.
(2) يقول ابن الأثير رحمه الله: "وكان قسيم الدَّولة أحسن الأمراء سياسة لرعيَّته، وحفظًا لهم، وكانت بلاده بين رُخص عامٍّ، وعدل شامل، وأمن واسع، وكان قد شَرط على أهل كلِّ قرية من بلاده، متى أُخذ عندهم قَفل، أو أحد من النَّاس، غَرِم أهلُها جميعَ ما يُؤخذ من الأموال من قليل وكثير، فكانت السَّيَّارة إذا بلغوا قرية من بلاده، ألقوا رحالهم وناموا، وحرسهم أهل القرية إلى أن يرحلوا، فأمِنت الطُّرق، وأمَّا وفاؤه، وحُسن عهده، فيكفيه فخرًا أنَّه قُتل في حفظ بيت صاحبه وولي نعمته" الكامل في التَّاريخ، لابن الأثير، (8/379).
من أساليب قسيم الدَّولة في استرداد الأمن وهذا المسلك الذي سلكه قسيم الدَّولة آقسُنقُر من أعظم السِّياسات في استرجاع الأمن المفقود فيس البلاد؛ فعند حصول الثَّورات والاضطرابات الدَّاخليَّة في البلاد يحصل الانفلات الأمنيُّ الذي لا تقدر معه الأجهزة الأمنيَّة والشُّرط على استرجاع الأمن واستتباب الأمان بجهودهم مهما عظُمت؛ لاتِّساع رقعة الدَّولة، وقلَّة أعداد العسكر، وكثرة المشاغبين ومُثيري الفتن والقلاقل، ولهذا كان تكاتُف عموم الشُّرفاء من الرَّعيَّة في فرض نظام الأمن والسَّلامة في عموم البلاد أعظم السُّبل وأسرعها في تحقيق الأمان والأمان؛ لأنَّ توزيع المهامَّ على الجميع أسرع في تحقيق المطلوب من تحميل المسئوليَّة لأفراد الأمن، وبهذه السِّياسة الحكيمة استطاع قسيم الدَّولة آقسُنقُر أن يُشرك النَّاس في تحمُّل المسئوليَة الأمنيَّة المجتمعيَّة؛ فاستتبَّ الأمن، واستقرَّت شئون الدَّولة، وعادت الحياة العامَّة إلى ما قبل الاضطرابات، وازدهرت التِّجارة بعد كسادها، وراجت المعاملات، وأمن النَّاس على أنفسهم وأموالهم وتجاراتهم، وفي هذا درس عظيم يتعلَّمه النَّاس في ومن الاضطرابات والانفلات الأمنيِّ.
من أحداث يناير 2011م وقد رأينا تكاتف النَّاس في مصر في أثناء حدوث ثورة يناير: (2011م) كيف تكاتفوا وتعاونوا في ما عُرف باللِّجان الشَّعبيَّة وقت الانفلات الأمنيِّ الذي أعقب تنحِّي رئيس الدَّولة وقتها عن الحكم؛ حيث قام أفراد كلِّ حيٍّ سكنيٍّ بحماية الحيِّ من أيِّ متسلِّط مخرِّب عن طريق لجان من أفراد الشَّعب يحفظون الأمن، ويتصدَّون لمواجهة كلِّ خارج عن القانون؛ فسلَّم الله تعالى البلاد والعباد من شرور التَّصدُّع والانهيار الذي يقع في مثل هذه المواقف؛ حيث يسعى المأجورون المارقون الخارجون عن الأعراف والقيم والدِّين إلى إحداث الفوضى في البلاد؛ بهدف إسقاطها وإشاعة الرُّعب والهلع في قلوب النَّاس؛ دعمًا لأجندات واتِّجاهات خارجيَّة وداخليَّة، ولو لم يُواجَه هؤلاء بشيء من الحسم والصَّرامة والتَّكاتف المجتمعيِّ لوقع من الفساد ما هو كفيل بإسقاط الدَّولة إلى غير رجعة، {وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} [الأنفال: 43] .
(3) ذيل تاريخ دمشق، لأبي يعلى حمزة بن أسد بن عليِّ بن محمد التَّميميِّ= ابن القلانسيِّ (ت:555ه)، تح: الدُّكتور سُهيل زكار، دار حسَّان للطَّباعة والنَّشر، دمشق، ط: (1/١٤٠٣ه=١٩٨٣م)، ص: (196).
(4) حصل بين تُتُش ابن ألب رسلان وآقسُنقُر من المواقف ما حمله الأوَّل على إضمار العداوة للأخير والتَّربُّص به حتَّى تمكَّن من قتله؛ ومن ذلك ما كان من رجوع آقسُنقُر عن مقاتلة أمير طرابلس جلال الملك بن عمَّار لحلية لجأ إليها الأخير بالتَّلبيس عليه بأنَّ السُّلطان ملكشاه بن ألب أرسلان أرسل إليه منشورًا يأمره فيه بالرُّجوع عن القتال بعد أن أمره أن يكون تحت بواء أخيه الأمير تُتُش؛ فاستجاب آقسُنقُر لذلك ممَّا أغضب تُتُش وانفضَّ عن مُقاتلة أمير طرابلس اضطرارًا لانسحاب آقسُنقُر بجيشه؛ قال ابن الأثير رحمه الله : "لـمَّا كان السُّلطان ببغداذ قدم إليه أخوه تاج الدَّولة تُتُش من دمشق، وقسيم الدَّولة آقسُنقُر من حلب، وبُوزان من الرُّها، فلمَّا أذن لهم السُّلطان في العود إلى بلادهم أمر قسيم الدَّولة وبوزان أن يسيرا مع عساكرهما في خدمة أخيه تاج الدَّولة، حتَّى يستولي على ما للخليفة المستنصر العلويِّ بساحل الشَّام من البلاد، ويسير وهم معه إلى مصر ليملكها، فساروا أجمعون إلى الشَّام، ونزل على حمص... ثمَّ سار إلى طرابلس فنازلها، فرأى صاحبها جلال الملك بن عمار جيشًا لا يُدفع إلَّا بحيلة، فأرسل إلى الأمراء الذين مع تاج الدَّولة، وأطمعهم ليُصلحوا حاله، فلم ير فيهم مطمعًا، وكان مع قسيم الدَّولة آقسُنقُر وزير له اسمه زرين كمر، فراسله ابن عمار فرأى عنده لينًا، فأتحفه وأعطاه، فسعى مع صاحبه قسيم الدَّولة في إصلاح حاله ليدفع عنه، وحمل له ثلاثين ألف دينار، وتُحفًا بمثلها، وعرض عليه المناشير التي بيده من السُّلطان بالبلد، والتَّقدُّم إلى النُّواب بتلك البلاد بمساعدته، والشدِّ معه، والتَّحذير من مُحاربته، فقال آقسُنقُر لتاج الدَّولة تتش: لا أُقاتل من هذه المناشير بيده، فأغلظ له تاج الدَّولة، وقال: هل أنت إلَّا تابع لي؟ فقال آقسُنقُر: أنا أُتابعك إلَّا في معصية السُّلطان، ورحل من الغد عن موضعه، فاضطرَّ تاج الدَّولة إلى الرَّحيل، فرحل غضبان" - الكامل في التَّاريخ، لابن الأثير، (8/352) - وكان لهذا الموقف أثر كبير في نفس تاج الدَّولة تُتُش بن ألب أرسلان، وظلَّ يُضمر لآقسُنقُر العداوة والبغض والانتقام من يومها وإلى أن تمكَّن وأتته الفرصة فقتله.
وممَّا زاد من عداوة تتش لآقسنقر ومن المواقف أيضًا التي حصلت بعد هذا الموقف زادت من عداوة تُتُش لآقسُنقُر ما وقع بعد موت ملكشاه واختلاف أولاده على الحكم فيما بينهم، ورغبة تُثُش في تولِّ السَّلطنة بعد أخيه، فقرَّر آقسُنقُر أن يكون في صفِّ تُتُش إلى أن يحسم أولاد ملكشاه أمرهم بالاختيار، ثمَّ لـمَّا عزموا أمرهم بتولية ركن الدِّين بركيارق تخلَّى آقسُنقُر عن مُناصرة تُتُش وتبعه بوزان أمير الرُّها؛ ممَّا اضطرَّ تُتُش إلى العودة إلى الشَّام واستتبَّ الأمر لبركيارق بن ملكشاه؛ يقول ابن الأثير رحمه الله : "كان تُتُش بن ألب أرسلان صاحب دمشق، وما جاورها من بلاد الشَّام، فلما كان قبل موت أخيه السُّلطان ملكشاه، سار من دمشق إليه ببغداد، فلمَّا كان بهَيت بلغه موتُه، فأخذ هَيت واستولى عليها، وعاد إلى دمشق يتجهَّز لطلب السَّلطنة، فجمع العساكر، وأخرج الأموال، وسار نحو حلب، وبها قسيم الدَّولة آقسُنقُر، فرأى قسيم الدَّولة اختلاف أولاد صاحبه ملكشاه وصغرهم، فعلم أنَّه لا يَطيق دفع تُتُش فصالحه، وصار معه، وأرسل إلى ياغي سِيان - صاحب أنطاكية - وإلى بُوزان - صاحب الرُّها وحرَّان - يُشير عليهما بطاعة تاج الدَّولة تُتُش حتَّى يروا ما يكون من أولاد ملكشاه، ففعلوا وصاروا معه، وخطبوا له في بلادهم، وقصدوا الرَّحبة فحصروها، وملكوها في المحرَّم من هذه السَّنة، وخطب لنفسه بالسَّلطنة... فلمَّا فرغ تاج الدَّولة تُتُش من أمر العرب، وملك الموصل وغيرها من بلادهم، سار إلى ديار بكر في ربيع الآخر، فملك ميافارقين وسائر ديار بكر من ابن مروان، وسار منها إلى أذربيجان، فانتهى خبره إلى ابن أخيه رُكن الدِّين بركيارق، وكان قد استولى على كثير من البلاد، منها: الرَّيُّ، وهمذان، وما بينهما، فلمَّا تحقَّق الحالَ سار في عساكره ليمنع عمَّه عن البلاد، فلمَّا تقارب العسكران قال قسيم الدَّولة آقسُنقُر لبُوزان: إنَّما أطعنا هذا الرَّجل لننظر ما يكون من أولاد صاحبنا، والآن فقد ظهر ابنه، ونريد أن نكون معه. فاتَّفقا على ذلك وفارقا تُتُش، وصارا مع بركيارق، فلمَّا رأى تاج الدَّولة تُتُش ذلك علم أنَّه لا قوَّة له بهم، فعاد إلى الشَّام، واستقامت البلاد لبركيارق" الكامل في التَّاريخ، لابن الأثير، (8/367) وما بعدها.
تتش يُقرِّر التَّخلُّص من قسيم الدَّولة وقد اعتبر تُتُش هذا الموقف مع الموقف الآخر ممَّا يحلُّ به دم آقسُنقُر الذي رآه حاجزًا بينه وبين أطماعه التُّوسُّعيَّة التي يُريد تحقيقها، فظلَّ يتربَّص به ويكيد له حتَّى تمكَّن منه؛ قال ابن الأثير رحمه الله : "في هذه السنة، في جمادى الأولى، قتل قسيم الدولة آقسُنقُر، جد ملوكنا بالموصل الآن، أولاد الشَّهيد زنكيِّ بن آقسُنقُر، وسبب قتله أنَّ تاج الدَّولة تُتُش لـمَّا عاد من أذربيجان مُنهزمًا لم يزل يجمع العساكر، فكثُرت جموعه، وعظُم حشده، فسار في هذا التَّاريخ عن دمشق نحو حلب ليطلب السَّلطنة، فاجتمع قسيم الدَّولة آقسُنقُر، وبُوزان، وأمدَّهما ركن الدِّين بركيارق بالأمير كَربُوقا الذي صار بعدُ صاحب الموصل، فلمَّا اجتمعوا ساروا إلى طريقه، فلقوه عند نهر سبعين قريبًا من تلِّ السُّلطان، بينه وبين حلب ستَّة فراسخ، واقتتلوا واشتدَّ القتال، فخامَر بعضُ العسكر الذين مع آقسُنقُر؛ فانهزموا وتبعهم الباقون، فتمَّت الهزيمة، وثبَت آقسُنقُر، فأُخِذ أسيرًا، وأُحضِر عند تُتُش، فقال له: "لو ظفرت بي ما كنت صنعت؟ قال: كنت أقتلك! فقال له: أنا أحكم عليك بما كنت تحكم عليَّ، فقتله صبرًا" وسار نحو حلب، وكان قد دخل إليها كربوقا، وبوزان، فحفظاها منه، وحصرها تُتُش ولجَّ في قتالها حتَّى ملَكها (سلَّمها إليه المقيم بقلعة الشَّريف، ومنها دخل البلد، وأخذهما أسيرين، وأرسل إلى حرَّان والرُّها ليُسلِّموه من بهما - وكانتا لبوزان - فامتنعوا من التَّسليم إليه، فقتل بوزان، وأرسل رأسه إليهم) وتسلَّم البلدين، وأما كربوقا فإنَّه أرسله إلى حمص، فسجنه بها إلى أن أخرجه الملك رضوان بعد قتل أبيه تُتُش" الكامل في التَّاريخ، لابن الأثير، (8/378).