من أسرار الذِّكر الحكيم
السُّؤال:
ما وجه نفي الشُّعور في قوله تعالى: {أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡمُفۡسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشۡعُرُونَ} [البقرة: 12] ثمَّ نفى العلم في قوله تعالى: {أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَٰكِن لَّا يَعۡلَمُونَ} [البقرة: 13] في سِياق الآيات التي تتحدَّث عن المنافقين في سورة البقرة؟
وللجواب أقول:
إنَّ قول العليم الحكيم لا يخلو من العلم والحكمة، وتتبُّع الحكَم من الذِّكر من متمِّمات التَّدبُّر والتَّأمُّل، وقد حثَّ عليه القرآن الكريم في نحو قوله تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَيۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخۡتِلَٰفٗا كَثِيرٗا} [النساء: 82] فالبحث عن الغايات والحكم والأسباب ممَّا يزيد به إيمان المؤمن بصدق ما أنزله الله تعالى على نبيِّه محمَّد ﷺ، على أنَّ البحث لا يخرج عن دائرة التَّدبُّر المحدود بحدود العلم والنَّقل والفهم الصَّحيح؛ فإنَّ من النَّاس من يُعمل عقله في هذا فلا يصل إلى الحقِّ، ومنهم من يتكلَّف الحكمة، وليس شرطًا أن تظهر الحكمة من النَّصِّ لي فقد تظهر لغيري، وقد تخفى على جيلي وتظهر في جيل لاحق تتوفَّر فيه الأسباب والمقوِّمات والوسائل التي لم تتح لي في جيلي؛ فالمؤمن لا يقع منه شكٌّ إذا لم يجد الحكمة أو يعرفها، بل يؤمن بوجودها وينفي العلم بها.
ومن هذه المسائل المتعلِّقة بالتَّأمُّل ما ورد في هذا السُّؤال، ويمكن الإجابة عنه بتقسيمه إلى قسمين:
أوَّلًا: نفي الشُّعور بالفساد:
إنَّ نفي الشُّعور بالفساد أدقُّ من نفي العلم به؛ فالمفسدون من المنافقين لا يشعرون ولا يحسُّون بما يجري على أيديهم من الفساد العريض فضلًا عن أن يعلموا به؛ فالشُّعور درجة من درجات العلم، وفيه إشارة إلى عدم صلاحهم في المستقبل؛ ففسادهم متحكِّم فيهم لا ينزعون عنه حالًا ولا استقبالًا فقد غرقوا في بحاره وتاهوا في أوديته فلا سبيل للعودة والصَّلاح.
وقد تضمَّنت الآية الكريمة دليل ذلك حيث تأكَّد فسادهم بأكثر من مؤكِّد: (ألا، إنَّ، هم، المفسدون) فدخول همزة التَّنبيه على لا النَّافية لاسترعاء الانتباه إلى ما يلي من كلام مؤكَّد، واستعمال حرف التَّوكيد واتِّصاله بضمير الغائب الدَّالِّ على جماعة المنافقين، واعتماد: (أل) في كلمة: (المفسدون) دالَّة على التَّعيين والاستغراق في الفساد.
واستعمال حرف الاستدراك: (لكن) في قوله: {وَلَٰكِن لَّا يَشۡعُرُونَ} يفيد سبب استمرار فسادهم في الحال والاستقبال؛ فإنَّ أوَّل خطوة من خطوات الصَّلاح والعلاج الشُّعور بالفساد، وهو ما يُعرف عند السُّلوكيِّين بمنزله اليقظة والإدراك، فلايزال الفاجر على فجره ما بقي في غيبوبة المعصية، وزهوة القوَّة، فنفى الشُّعور بحرف النَّفي: (لا) للإشارة إلى ديمومة الفساد منهم، وهذا بخلاف نفي الشُّعور في الآية الأسبق بحرف النَّفي: (ما) في قوله تعالى: {يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمَا يَخۡدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ} [البقرة: 9] ففيه إشارةٌ إلى الحال لا الاستقبال أي أنَّهم يُخادعون في الحال من غير اتِّصال الزَّمن فخداعهم حين تواتيهم الفرصة، فإذا لم تكن الفرصة سانحة لهم بذلك لم يُخادعوا، بخلاف فسادهم فهو حاصل في كلِّ زمان ومكان وإن اختلفت صوره، كما أنَّ سبق: (ما) بمثلها كان أنسب في التَّعبير بها؛ فقد سبقت بنفي الخديعة في حقِّ من توجَّهت إليه من الله تعالى والمؤمنين؛ فإنَّ الله لا يُخدع ويحفظ المؤمنين من الخديعة فلا تنطلي عليهم خدع المنافقين، ثمَّ جاء الإثبات: {إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ} لإفادة الحصر والقصر فخداعهم عائد عليهم.
ثانيًا: نفي العلم بالسَّفه:
والأدقُّ والأبلغ نفي العلم بالسَّفه؛ لأنَّ السَّفه درجة من درجات الجهل؛ فالسَّفيه جاهل قد استحكم الجهل منه حتى جعله غير قادر على اتِّخاذ قرار يُصلحه أو يُعدِّل من شأنه، وهذا هو حال المنافقين؛ فقد بلغ بهم الجهل مبلغًا عظيمًا جعلهم يعتقدون الكفر ويبطنونه، ويُظهرون الإسلام ولا يعيشون به، فهذا سفه في الاختيار يدلُّ على حرمانهم من العلم الذي يُمكِّنهم من حسن الاختيار؛ فناسب أن يُنفى عنهم العلم.
ووصف المنافقين للمؤمنين بالسَّفه من مؤكِّدات السَّفه المتحقِّق فيهم والدَّالِّ على نفي العلم؛ فإنَّ اتَّهام المؤمن الذي آمن بالله تعالى ربِّ كلِّ شيء المستحقِّ للعبادة من أعظم ما يُستدلُّ به على فساد أذواقهم، وانسلاخ فطرتهم، وغرقهم في الفساد، وتعمُّقهم في الجهل؛ لأنَّهم ينعتون المؤمنين بما هم به أحقُّ وأجدر؛ ولهذا ردَّ الله تعالى عليهم التُّهمة بمبلغ ردٍّ وأتبعه بنفي العلم عنهم بحال أنفسهم من السَّفه.
وفي إثبات السَّفه ونفي العلم ما يدلُّ على الجهل المركَّب الذي يصوِّر حالهم ومستقبلهم؛ ولن تجد أسوأ من هذا النَّموذج في الجهل؛ لأنَّه لا يكاد يفيق أو ينزع؛ لأنَّه يعتقد صحَّة مساره، وسلامة طريقه، ويرى أنَّه على الخير؛ فهو جاهل سفيه ولا يدري أنَّه كذلك؛ فأنَّى لمثله أن يعود إلى الحقِّ والرُّشد، وحقًّا لقد نادى المنافقون على أنفسهم بالجهل والسَّفه من أوَّل لحظة باختيار الكفر على الإيمان، وأيُّ سفه أعظم من هذا؟!
والخلاصة: نفي الشُّعور بالفساد دالٌّ على غرقهم في أوحاله، فلا يُنتظر منهم عودة، ولا يُرجى لهم رجوع، ونفي العلم بالسَّفه دالٌّ على تمكُّن الجهل منهم فمنعهم من رؤية الحقِّ، وحدى بهم إلى السَّفه في القول والفعل.
ملحوظة: لا يستعمل السَّائل في مثل هذه الأسئلة أسلوب الاستفهام المشعر بحتميَّة المعرفة، وإنَّما يسأل عن الوجه الأقرب فيقول: ما وجه استعمال كذا؟ ما الحكمة من كذا؟.