من أسرار الذِّكر الحكيم
السُّؤال:
ما السِّرُّ في تغيير التَّعبير القرآنيِّ في سورتي النَّحل وفاطر في سياق آية البحر؟
وللجواب أقول:
النَّاظر في سياق الآيات القرآنيَّة المتشابهة يهتدي لكثير من أسرار استعمال المفردة القرآنيَّة في جملتها وآيتها وسياقها؛ فالقرآن الكريم يحوي في طيَّاته دليل إعجازه، فلا تأتي مفردة في غير موضعها، ولا تُنزع أخرى من موضع أولويَّتها؛ فما ورد في القرآن الكريم= أنسب ما يكون لفظًا وسياقًا ومعنًى، وعلى المتتبِّع لأسراره ما يلي:
أوَّلًا: قراءه النَّصِّ الشَّريف قراءه صحيحة.
ثانيًا: فهم مفردات القرآن الكريم الغريبة التي يعجز عن فهمها لقلِّة استعمالها أو لعدم الوقوف على معناها.
ثالثًا: فهم المعنى الإجماليِّ العامِّ للآية الكريمة بعد الإحاطة بمعاني المفردات.
رابعًا: إدراك موقع المفردة في السِّياق الخاصِّ للآية والسِّياق العامِّ للآيات، فالنَّظر في السِّياقات يهدي للدَّلالات.
خامسًا: العيش مع الآية بالتَّفكُّر والرَّبط وإيجاد القاسم المشترك بين المفردة والآية والسِّياق والسِّباق واللِّحاق.
ومن هذه الآيات التي وقع فيها تشابه السِّياق مع الاختلاف في التَّعبير قوله تعالى: {مَوَاخِرَ فِيهِ} من: {وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلۡبَحۡرَ لِتَأۡكُلُواْ مِنۡهُ لَحۡمٗا طَرِيّٗا وَتَسۡتَخۡرِجُواْ مِنۡهُ حِلۡيَةٗ تَلۡبَسُونَهَاۖ وَتَرَى ٱلۡفُلۡكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ} [النحل: 14] و: {فِيهِ مَوَاخِرَ} من: {وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡبَحۡرَانِ هَٰذَا عَذۡبٞ فُرَاتٞ سَآئِغٞ شَرَابُهُۥ وَهَٰذَا مِلۡحٌ أُجَاجٞۖ وَمِن كُلّٖ تَأۡكُلُونَ لَحۡمٗا طَرِيّٗا وَتَسۡتَخۡرِجُونَ حِلۡيَةٗ تَلۡبَسُونَهَاۖ وَتَرَى ٱلۡفُلۡكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ} [فاطر: 12].
والنَّاظر في سياق الآيات قبل موضع النَّحل يرى أنَّها تتناول بيان نعم الله تعالى على الإنسان من أوَّل الإله الحقِّ، ثمَّ الخلق العامِّ للسَّماوات والأرض، ثمَّ الخلق الخاصِّ للإنسان، ثمَّ عطفت بمن خلقه الله للإنسان من الأنعام، ثمَّ تطرَّقت الآيات لذكر الحيوانات التي ينتفع بها الإنسان في النَّقل وتحميل الأثقال من الخيل والبغال والحمير، وهي وسائل النَّقل البرِّيِّ المتاحة وقت نزول القرآن الكريم، وكانت العرب تستعملها في الانتقال من مكان لآخر، وفيها شيء من الزِّينة والفخر لأهلها؛ لما تقدَّر به من مال كثير.
وقد خُتمت الآية بالإشارة إلى ما يجدُّ من وسائل المواصلات التي لم تكن في زمن مَن نزلت عليهم الآيات وقت نزولها، ففيها فتح المجال لكلِّ وسيله حديثه تأتي بعد هذا الزَّمن بعد زمن التَّنزيل، ويدخل فيه ما وصل النَّاس إليه من تطوُّر تكنولوجيٍّ هائل في وسائل المواصلات من سيَّارات وطائرات ومركبات فضائيَّة ما ظهر منها الآن وما لم يظهر، ويدخل في الآية الجمل والنَّاقه وما في معناهما وإنَّما استعمل الخيل والبغل والحمير لكثره الاستعمال وسهولة الحصول عليه بخلاف الإبل فقد يكون غالي الثَّمن يحتاج إلى كثير من المال، وهو داخل فيه دخولًا أوَّليًّا.
وختام الموضوع بقوله تعالى: {وَعَلَى ٱللَّهِ قَصۡدُ ٱلسَّبِيلِ وَمِنۡهَا جَآئِرٞۚ وَلَوۡ شَآءَ لَهَدَىٰكُمۡ أَجۡمَعِينَ} [النحل: 9] يُشير إلى أنَّ هذه الوسائل التي جعلها الله تعالى لخدمة الإنسان بحمله وما يخصُّه من مكان إلى مكان يهديها الله تعالى إلى وجهتها التي يقصدها المرء، فقد جعل الله تعالى قيادها وبلوغها سهلًا ميسورًا فلا يشقُّ على المرء، ومنها ما يجور ويميل عن الطَّريق ويحتاج إلى مشقَّة في التَّقويم والإصلاح.
ولـمَّا كان السِّياق من أوَّل السُّورة يتناول الإشراك والإيمان في قوله تعالى: {أَتَىٰٓ أَمۡرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسۡتَعۡجِلُوهُۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ * يُنَزِّلُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ بِٱلرُّوحِ مِنۡ أَمۡرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦٓ أَنۡ أَنذِرُوٓاْ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱتَّقُونِ} [النحل: 1-2] ناسب أن ترد في الآيات إشارة إلى الأنفس مع الهداية؛ فمنها ما يهتدي لطريق الله تعالى المستقيم وهم المؤمنون المتَّقون الذين يسيرون في الطريق، ومنها ما يجور وينحرف عنه بالإشراك به سبحانه وتعالى، ولو أراد الله تعالى أن يهدي النَّاس جميعًا لهداهم؛ لكنَّه سبحانه ترك لهم الاختيار بعد أن أبان لهم معالم الطَّريق، ويسَّر لهم الخير ومُقابله؛ {وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ لَأٓمَنَ مَن فِي ٱلۡأَرۡضِ كُلُّهُمۡ جَمِيعًاۚ أَفَأَنتَ تُكۡرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤۡمِنِينَ} [يونس: 99] ولو شاء سبحانه أن يُؤاخذ النَّاس بعلمه فيهم، ولكن من كمال عدله مع تمام فضله لم يُؤاخذهم إلَّا بما اختاروه وعملوه، ولا يقع اختيارهم خارج ما علمه فيهم؛ لأنَّ علمه سبحانه أزليٌّ يقينًا علم ما يقع من كلٍّ منهم باختيارهم قبل أن يعملوه؛ وبهذه يمتاز علم الرَّبِّ عن علم العبد؛ فالأخير لا يعلم الشَّيء إلَّا إذا وقع، والله تعالى يعلم الشَّيء قبل وقوعه، ولا يعني الجبر والتَّسيير، بل يُبيِّن عظيم علم الله تعالى وقدرته.
ثمَّ عطفت الآياتُ على ما سبق من نِعم: نعمةَ الزَّرع والنَّبات والثَّمرات، ثمَّ انتقلت الآياتُ لبيان نعمة الآيات الكونيَّة من خلق اللَّيل والنَّهار والشَّمس والقمر والنُّجوم، وما كان من تسخير الله تعالى هذه الآيات العظيمة للإنسان، ثمَّ عبرت الآيات إلى بيان ما خلقه الله تعالى على ظهر الأرض من الدَّوابِّ والثَّمرات أو في بطنها من المعادن والرِّكاز ومصادر الطَّاقة غير المتجدِّدة، وفي هذه الآية التي معنا ذكر الله عزَّ وجلَّ ما يتعلَّق بتسخير البحر وما فيه من مخلوقات وآلات، حيث تطرَّقت الآية لبيان وسائل النَّقل البحريِّ لتتميم بيان وسائل النَّقل البرِّيَّة والجوِّيَّة المذكورة في الآيات السَّابقة، ففيها تحدَّثت الآية عن وسائل النَّقل البحريِّ فبيَّنت أنَّ النَّاس يتَّخذون من البحر وسيلة ويتَّخذون فيه السُّفن العملاقة الجارية التي تشقُّ الماء شقًّا لتنقلهم من مكان إلى مكان آخر لا يُمكن لوسائل النَّقل البرِّيِّ أن تعمل فيه؛ ولـمَّا كان القصد من السِّياق العامِّ بيان وسائل النَّقل البحريِّ عطفًا على وسائل النَّقل البرِّيِّ قدَّم قوله: {مَوَاخِرَ} وهي صفه للفلك، وأخَّر كلمة: {فِيهِ} العائدة على البحر؛ لأنَّ العمدة في السِّياق بيان وسائل النَّقل في البحر.
وأمَّا موضع سورة فاطر فالسِّياق فيه يسير باتِّجاه واضح وصريح لبيان مراحل الخلق من تراب، ثمَّ من نطفة، ثمَّ الأنواع: (الذَّكر والأنثى)، ثمَّ بذكر الحمل والأعمار وأنَّ هذا لا يخرج عن المقدَّر في اللَّوح المحفوظ، ثمَّ تطرَّقت الآيات إلى البحر وما فيه من آيات وأرزاق ونِعم، ولـمَّا كان مقصد الآية بيان أهمِّيَّة فضل البحر ناسب أن يعطف الضَّمير العائد على البحر بعد لفظه مباشرة بتقديم: {فِيهِ} على: {مَوَاخِرَ} فالسِّياق مقيِّد للتَّقديم والتَّأخير، بعد آية البحر تطرَّقت الآيات إلى بيان آيات اللَّيل والنَّهار والشَّمس والقمر، وما يتعلَّق بالله الحقِّ الذي لا يُعبَد سواه، فهو الأولى بالعبادة والإيمان لأنَّه هو الخالق للإنسان ولجميع ما يُعينه على الحياة من آيات كونيَّة.